
هناك عوامل كثيرة تدفعنا إلى تجاهل المنطق, عوامل كثيرة ترغمنا على المشي في الطريق الخطأ مع علمنا أنه خطأ, فكما نعرف جميعاً أن الإنسان له عقل وقلب, العقل للتفكير والتحليل, والقلب للعاطفة التي تدفعنا إلى تنفيذ ما تمخض عن العقل من تفكير, أي أن العاطفة هي المحرك والمتحكم في سلوكنا وليس العقل, والمبالغة في إتباع كل ما يمليه علينا القلب يسمى إتباع الهوى, فقد تدرك أن شخص ما به عيوب خطيرة وتسمع ممن حولك نصائح كثيرة بالابتعاد عنه إلا أنك تصر على مصاحبة هذا الشخص لأنك ببساطة متعلق به.
جميعاً كبشر نغلب العاطفة في كثير من تصرفاتنا وهذا شيء إيجابي طالما يستخدم بطريقة غير مبالغ فيها, فالأم حينما يخطئ صغيرها تتحير بين أمرين , هل تعاقبه؟ أم تعفو عنه وتصفح؟ ودائماً ما تتبنى الخيار الأخير, لكن المبالغة في العفو قد تأتي بنتائج سلبية تساوي في القوة النتائج المترتبة على المبالغة في العقاب المبالغ فيه وليست مضادة لها في الاتجاه, فالتدليل ينتج شخص اتكالي لا يتحمل أي مسئولية, والعقاب الزائد ينتج شخصية انعزالية مقهورة وربما عدوانية, أما الوسطية فتنتج لنا على أقل تقدير إنسان سوي.
ويمتلئ تاريخ البشرية بأناس كثيرين اتبعوا الهوى واشتروا الباطل بالحق مع علمهم بضلالهم المبين, وذلك بسبب انسياقهم وراء نداء العاطفة العمياء, والعاطفة تأتي في صور كثيرة, فقد تكون حباً أعمى, أو غرور متأصلاً, أو عصبية جاهلة, أو عناداً قاتلاً أو مصلحة شخصية وكل هذا يلخص في كلمة واحدة هي "الهوى"
فأبو جهل وعتبة والوليد كانوا يدركون أنهم يعبدون أصناماً لا تنطق ولا تسمع ولا تغني من جوع, كانوا يؤمنون أيضاً بصدق محمد وأمانته إلا أنهم فضلوا العناد من أجل تجارة بائرة أو حسب سيطويه التاريخ, وكم رأى فرعون من الآيات إلا أنه أصر على عناده وغروره من أجل عرش بائد ومصلحة شخصية مآلها إلى التراب, وابن مريم كم أحيى الموتى وشفى العميان بإذن الله ومع ذلك أصر معظم بني إسرائيل على الكفر والعناد.
ونحن, كشعوب عربية نؤمن بأهمية الوحدة بين المسلمين والعرب وندرك ما لها من فضائل وأنها السلاح الوحيد الذي سيدفعنا إلى الأمام بسرعة الضوء بعد أن تراجعنا ألاف السنين إلى الوراء, لكن في كل مرة نثبت أننا من أنصار الهوى, ندرك صحة شيء ونختار نقيضه ونسير في طريقه ثملين, نعلم أن الخط المستقيم هو أقرب الطرق بين نقطتين, إلا أننا نختار التيه بين التلال والأخاديد, ننادي بالوحدة وننظم فيها الشعر ومع هذا نحن أول من يقتلها, فنحن حكاماً ومحكومين نريد وحدة من تفصيلنا نحن, وحدة نكون فيها نحن السادة, وحدة تتوافق مع مصالحنا الشخصية, وحدة على طريقة ثوب المهرج حيث كل رقعة فيه من خامة مختلفة ولون مغاير, من أجل هذا يضحكنا المهرج ونضحك عليه ويضحك عليه العالم!!!
ماذا ينقصنا لكي نتحد؟ ما الذي يمنعنا من التلاحم؟ ما الذي يدفعنا إلى الحقد على بعضنا البعض, ما الذي يضطرنا لأن نكون مثل شحنات المغنطيس المتشابهة دائماً في تنافر, فكلنا نتحدث بلسان واحد, كلنا له عادات واحدة, وكلنا نعبر عن سعادتنا وأحزاننا بتعبيرات متشابهة, كلنا نعاني من نفس المشاكل والتي من أهمها الشعور بالدونية والخزي والتضاؤل أمام أمم الأرض أجمعها. لماذا على كل منبر نقذف بعضنا البعض؟ لماذا في كل ميدان يهجو منا الأخ أخاه, على صفحات الجرائد والإنترنت وفي الفضائيات؟ لماذا يعاملنا عدونا بطريقة واحدة ونتعامل نحن معه و مع أنفسنا بمليون طريقة وطريقة؟
ولماذا هذا الذي حدث بين مصر والجزائر؟
هل وقعنا في نفس الإشكالية التي وقع فيها فرعون و قارون وأبو جهل والاسخريوطي وقتلة الحسين؟ إشكالية تغليب الهوى على ما يقتنع به العقل, نحن بلا شك نعلم أن الوحدة شيء حتمي, لكننا نسير وفق العاطفة والرغبة, نسير وفق السيارة الفارهة, والزوجة الحسناء, والفراش الوثير, والطعام الوفير, والمنصب الوظيفي, هذه هي أولوياتنا, أليس كذلك؟
ندرك أن العلم المصري إذا رفرف بين أعلام الدول المشاركة في كأس العالم فلن يميزه أحد في العالم بألوانه الثلاثة سوى المصريين والجزائريين وباقي العرب, ونعلم تمام العلم أنه إذا عزف النشيد الوطني لأرض الشهداء فلن يفهم معانيه ولن يدرك تاريخه سوى المصريين والجزائريين وباقي العرب, فنحن مع الأسف, بضاعة راكدة وكمية مهملة لا يعرف العالم عنها شيء سوى الخنوع والانكسار, ورغم ذلك نتنابذ ويغتب بعضنا بعضاً, وذلك لأننا منساقون كالقطعان وراء عاطفة عمياء وعصبية جاهلية, نحن يا أخوان من أتباع الهوى!
ظن الكثيرون أن المشكلة المصرجزائرية أو الجزائمصرية, قد انتهت أو أنها في سبيلها إلى الانتهاء, لكن في رأي المتواضع المشكلة لم تنتهي بل بدأت والحاصل الآن ما هو إلا نوع من الهدوء الذي يسبق العاصفة, فقد خمدت المشكلة مخلفة ورائها شيء في قلوب الناس من الشعبين, حزن دفين وحقد ينتظر فرصة مواتية ليظهر لنا طلعه الذي يشبه رؤوس الشياطين. المشكلة بين مصر والجزائر سكنت في قلوب الناس بما فيها من شوائب ونفايات ولم تجد من ينقيها حتى الآن.
لم أتناول المشكلة في أوج اشتعالها, لم أذكر عنها شيء في مدونتي لا من قريب ولا من بعيد وذلك لسببين: الأول هو تجنب لحظات الانفعال الذي سببه التأثير الإعلامي السلبي علينا في تلك الفترة وخاصة أني مصري وضمان الحياد في تلك الإثناء كان أمر غير مضمون الجانب, والثاني هو هدف مدونة هناك فرصة باقية, فمنذ اليوم الأول لإنشاء المدونة وهدفي هو المشاركة بما يفيدني ويفيد أخي العربي ويطور شخصياتنا سواء إدارياً أو ذاتياً, لم ولن يكن للمدونة ميول سياسية بأي حال من الأحوال.
وبعد مرور وقت كاف على المشكلة وبعد أن هدئت النفوس قليلاً وخمدت العواطف العمياء فكرت في التطرق إلى الأمر لأرضي شيء في نفسي إلا أن هدف المدونة ظل عائقاً أمامي, فنسيت الأمر برمته ورفعت من ذهني فكرة نشر رأي الخاص في المشكلة, لكن الله منى علي بفكرة جعلتني أرضي ضميري وفي الوقت نفسه لم تحيد بالمدونة عن هدفها الذي حدد لها سلفاً, هذه الفكرة هي وضع ما حدث بين مصر والجزائر في قالب حملة توعوية تفيد في تنمية الذات وتدفع عنها التأثيرات الخارجية التي تعيق التطوير والتنمية. وبهذا أكون قد أصبت عصفورين بحجر واحد, التعبير عما يجيش بخاطري والثاني الحفاظ على هدف المدونة.
موضوع الحملة بعنوان " كيف تتخلص من التأثير الإعلامي السلبي؟" وفيه سأتناول دور الإعلام وقدرته على التأثير في عواطفنا وسلوكياتنا وكيفية إدراك هذه التأثيرات والتعامل معها حتى لا نقع فريسة للتنويم الإعلامي. فأرجوا أن أوفق في هذه الحملة لأن المشكلة وإن بدت مستعصية إلا أني أؤمن دائماً أن هناك أمل في الانفراج, ودائماً بعد نفاذ كل الفرص تظل هناك في الأفق فرصة باقية.
فأرجو منكم المساعدة والدعم .. بالآراء والوثائق والنقد البناء.
حسن محمد
هناك فرصة باقية
الدوحة - قطر
ــــــــــــــــــــــــــــ
لمطالعة النص الأصلي للمقال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرير الرسالة