الجمعة، 25 فبراير، 2011

الكهنوت الإسلامي.

مقال للمدون المصري المتميز الأستاذ وائل عزيز : كان أبي رحمه الله تعالى يرتدي زي المشايخ بحكم عمله أستاذا بجامعة الأزهر وعميداً لإحدى كلياته. وكان يحدث أن يستوقفه بعض الناس في الشارع أو المكتب أو المسجد ليسألوه أسئلة مختلفة… وكان قبل أن يتابع الحوار أو يتعجل بالإجابة يطرح هذين السؤالين على من يسأله:

- هل تعرفني؟ فإذا لم يكن السائل يعرفه… فإنه يعتذر عن الإجابة بلطف، ويقول للسائل: يا بني لا تسأل من لا تعرفه، فإن العلم ليس بالعمامة ولا بالزي.

- ثم يسأله: هل هذا السؤال فتوى أم استفسار؟ فإذا قال السائل، بل إنه سؤال في التربية أو الزواج أو الاقتصاد أو السياسة يعتذر له، ويقول لا أفتي فيما لا أعلم. اذهب لمتخصص.

وعندما كان يدعى إلى محاضرات عامة للحديث في مواضيع مثل: المخدرات، أو أطفال الشوارع، أو الإرهاب، أو الحفاظ على البيئة… كان يرفض أن يذهب منفرداً… ويقول لا قيمة لكلامي إذا لم يكن المتحدث الرئيسي في الندوة هو عالم نفس أو عالم اجتماع سياسي، أو متخصص في علوم الصحة والبيئة.

كان هذا نموذجاً عملياً من عالم ديني أزهري يرفض الكهنوت، بل ويحاربه. ويؤسفني أن أقول إنه لم يكن منتشراً… حتى أن بعض حديثي التخرج من الكليات الأزهرية يفتيك عن البنوك الربوية وهو لا يعرف الفرق بين الفائدة البسيطة والمركبة، ويفتيك عن التأمين وهو لا يعرف الفارق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، ويفتيك عن الإنترنت وهو لم ير في حياته كمبيوتر، ولا كتب على الكي بيورد.

ليس في الإسلام كهنوت، ولكن البعض يحب أن يريح عقله فيروج لهذه الفكرة (ارميها في رقبة عالم واطلع سالم)، ويصر على أن يحول بعض العلماء إلى مفاتيح حصرية لعقول الناس وقلوبهم… حتى ولو كانت الأغلبية الساحقة من هؤلاء العلماء عاجزة عن أن تدير شأن أنفسها وشأن بيوتها.

أعني بالكهنوت أمرين:
الأول: وجود نخبة ضيقة تحتكر فهم وتفسير وتقديم الدين (مراد الله من العباد) للعوام وتحصر ذلك على نفسها،
والثاني: وجوب عرض كل التصرفات السلوكية اليومية للأفراد على هذه النخبة لأخذ الموافقة من عدمها.
…………….

في كثير من الحوارات المتعلقة بالشئون الجارية، وجدت أغلبية ساحقة من الشباب تحجم عن أن تناقش أو تفكر أو تقول رأيها "الشخصي" في الشأن العام: قبل أن ترجع وتسأل الشيخ فلان، أو تتابع على اليوتيوب ماذا قال الشيخ علان عن هذا الأمر… ثم تمتليء المنتديات بعشرات بل مئات النقول من كل من سبق اسمه لقب "الشيخ" في شرق الأرض وغربها… لتقطع الطريق على أي تفكير رشيد أو هادي أو عاقل أو عارف خارج هذه الدائرة الضيقة من "العلماء"… بحجة أن الشيخ فلان قد أفتى…. وبالتالي فالموضوع منتهي، ولا مجال للبحث فيه. مع أن شيخاً آخر أفتى برأي مناقض، ولكن تم تجاهل رأيه بحجة أنه ليس من "العلماء الربانيين"… وهذا هو ما أقصده بالكهنوت الإسلامي المرفوض.

ولدي هواية قديمة بمتابعة برامج الإفتاء على القنوات المختلفة… وفي أحيان كثيرة تكون الأسئلة المطروحة بعيدة عن تخصص الشيخ الموجه إليه السؤال. ولكنه في كل الأحيان يجيب، بل وبإسهاب وشروح ما أنزل الله بها من سلطان يعتمد فيها على مهارته اللغوية وقدراته الخطابية أكثر من اعتماده على علم حقيقي أو دراسة متخصصة.

وقد رأيت شيوخاً يجيبون على أسئلة من نوع: إن ابني عمره خمس سنوات وهو كثير الحركة ويكسر الأدوات المكتبية ويعتدي بالضرب على أخيه الأكبر، ماذا أفعل معه؟ وعلى سؤال: ابني حصل على مجموع كبير في الثانوية العامة وهو يريد دخول كلية الحقوق رغم أنه يمكن أن يدخل كلية الطب، بماذا تنصحنا؟ وعلى سؤال: لقد وجدت على تليفون زوجي الخاص رسائل من فتيات بها كلمات غزل ونكات خارجة، ماذا أفعل معه؟ وعلى سؤال: ابنتي فتاة في السادسة عشرة من عمرها وجدتها تدخن وتشاهد مجلات جنسية، ماذا أفعل؟

في المجتمع العديد من المشكلات… يجب مواجهتها والبحث لها عن حلول… والتربية الأخلاقية جزء من هذه الحلول. أما أن نبحث عن هذه الحلول فقط عند المشايخ، ونحجم عن الذهاب إلى العلماء المتخصصين، فهو يشبه عندي أن نذهب إلى الدجالين لعلاج الألم ولا نذهب إلى الأطباء… وهذا هو ما أقصده بالكهنوت الإسلامي المرفوض.

بل إن الأعجب، أنه يمكن أن يختلف شخصان على قضية فكرية مثل: هل الأنسب لمصر نظام رأسمالي أم نظام اشتراكي؟ أو هل ثورة 25 يناير جائزة أم حرام؟ أو هل الشرعية الآن شرعية دستورية أم شرعية ثورية؟ أو هل كان من الأفضل أن يتنحى مبارك أم يتم مدته الرئاسية؟ أو هل ما يحدث في مصر مؤامرة أمريكية أم ثورة شعبية؟ أو حتى هل البرادعي عميل إيراني أم عميل أمريكي؟ أو هل أحمد شفيق مناسب كرئيس وزارء انتقالي أم يجب تغيير الحكومة؟ بل إنني أعرف أن بعض الشباب يذهبون إلى بعض المشايخ ليفتي لهم أي مرشح عليهم أن ينتخبوه؟!!

ثم لا ينتهي الخلاف إلا بالاتفاق أن يتقابلا بعد العصر عند الشيخ "فلان" في مسجد "كذا"… ليحكم لهم الحكم النهائي القاطع الذي يرتضيان به ولا يناقشانه بعد ذلك أبدا. ولا اعتراض لي على علم هذا العالم وفضله، ولكني أعترض على أن يحتكر شخص كائناً من كان العلم والفهم والحكمة. مثل هذا نموذج متكرر وسخيف لما أقصده عن الكهنوت الإسلامي المرفوض.
…………………..

إن الكهنوت الإسلامي الذي عرضت نماذج منه كارثة أخذت في الاتساع عندما اختفت الرموز الحقيقية للأمة في مختلف التخصصات ولم يجد الناس لهم قدوة إلا في علماء الدين، بعد أن احتكرت السلطة العمل السياسي، وتوارى كل أصحاب الفضل من أصحاب الحكمة والعلم والفضل (أهل الحل والعقد) خوفاً من بطش السلطان.

وقد بلغ اتساع نفوذ هؤلاء العلماء (الذين حصل بعضهم على لقب "العلماء الربانيين") إلى حد أنهم أصبحوا مرجعاً لأتباعهم في أدق شئون حياتهم (تماماً كما هو الحال عند المرجعيات الشيعية والطرق الصوفية )… فأصبح لهم رأي في الزواج والطلاق، ونوع العمل، ومحل الإقامة، ومصدر الدخل… إلخ.. ولا يكون هذا على سبيل أخذ الرأي والاستشارة والاستنارة، وإنما على سبيل الحكم القاطع والفتوى الملزمة… فتحول دور العلماء من الدعوة والإرشاد إلى أن أصبح بعضهم: ولي أمر، وقاضياً، وطبيباً، ورجل أعمال، وحاكماً بأمره في شئون أتباعه ومريديه.

وقد حان الوقت الآن لمواجهة هذه الظاهرة ومحاربتها في كل مكان وعلى كل المستويات… لما لها آثار في غاية الخطورة منها:

1- أنها تقضي على الحاسة النقدية عند الشباب. والأمم لا تحيى ولا تتقدم إلا بوجود هذا الحس النقدي الذي يجتهد فيه كل فرد اجتهاداً شخصياً… ولا يبيع عقله ويسلمه مجاناً لأي أحد، حتى ولو كان أعلم أهل الأرض… لا بأس من الاستعانة بآراء العلماء في القضايا الشرعية… لكن البأس كل البأس من أمرين: إلغاء العقل ومهارة التفكير لصالح آراء بعض "العلماء"، والأخطر إقحام العلماء في قضايا لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

2- أنها تفضح جهل بعض الشيوخ وتوقعهم في حرج بالغ. ولا يغيب على أحد أن الطرق التي يتلقى بها العلماء الآن علومهم لا تؤهلهم ليكونوا ملمين أو مطلعين على كل شيء… والحكم على الشيء فرع عن تصوره… لقد قرأت "فتاوى" عجيبة لعلماء تحرم "القومية العربية"، وتحرم "الوجودية"، ودراسة "العلوم السياسية".، واستخدام الإنترنت والفيس بوك، وترى أن المظاهرات بدعة، وأن رفع اللافتات خروج على الحاكم، وأن "تداول السلطة" ضد الإسلام… وأنا لا أعذر أي عالم في هذا التخرص والقول بغير علم في أمور لا يعرفوا عنها أكثر من أسمائها…

ولا أفشي سراً ولا أسيء إلى أحد عندما أقول إن الأغلبية الساحقة ممن يسبق أسماءهم لقب "شيخ" ليست لديهم أدنى مقومات الاجتهاد، وهم يجيبون بمنتهى الخفة والاستهانة على أسئلة لو توجهت إلى عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر ليبحثوها… ثم يكونون بعد ذلك من إجابتها على قلق عظيم أصابوا أم أخطأوا.

3- أنها تفتن الشيوخ بتحويلهم إلى نجوم. عندما يجد الشيوخ أنفسهم في هذا الموضوع الذي يجعلهم الملاذ وموضع العلم المطلق والحكمة المطلقة والصواب المطلق… يغري هذا بعض الشيوخ فيقعون في الفتنة، ويصيبهم الغرور ويتصورون أنهم فوق النقد والمحاسبة… بل ربما أوقع هذا بعض ضعاف النفوس منهم في أن يتحولوا إلى أبواقاً وأدوات في يد بعض السياسيين أو رجال الأعمال أو أصحاب المصلحة استنادا إلى مكانتهم وإلى التفويض الكامل الممنوح لهم، وفي هذا إساءة كبيرة إلى وضع علماء الدين عند الجماهير، بل إن فيه إساءة لقيمة الدين لدى أتباعه.

4- أنها تسيء إلى مفهوم الدين نفسه. وهذا هو أخطر ما في الأمر… وقد نبهتنا ثورة 25 يناير إلى أن عدم قدرة عدد كبير من العلماء على التفاعل بإيجابية مع الحدث، وعلى تقديم التفسيرات والتوضيحات الدينية له، إلى أن الناس في سبيل تحقيق قيمها الإنسانية الأساسية مثل الحرية والعدالة والكرامة يمكن أن تتجاوز الفهم الضيق لبعض العلماء… وعندما يعجز العلماء على تأكيد حقيقة أن "الدين للشعب"… يمضي الشعب في طريقه بعيداً عن الدين… إذا ما وجد أن الدين – بحسب فهم وعرض بعض العلماء له- عاجز عن أن يحقق لهم آمالهم في الحياة التي يستحقونها. وأظن أن مكانة الدين وعلمائه قد تأثرت كثيراً لدى قطاع عريض من الشباب بعد هذه الثورة بسبب ترددهم في تأييدها والوقوف مع الشعب فيها.
………………..

إننا نحترم العلماء الذين لهم رصيد من المصداقية لدى الجماهير، والذين بذلوا جهداً صادقاً وملموساً لتجسير الفجوة بين العلوم الشرعية وبين الواقع المعاصر البالغ التعقيد. والذين لم يقفوا بعلمهم عند نقول قديمة، والذين نجحوا في ابتكار لغة دينية جديدة قادرة على استيعاب الماضي وتفهم الحاضر…

ونرى أن هناك حاجة ملحة إلى مراجعات عميقة من الكثير من العلماء الذين يريدون أن يحتفظوا بمكانتهم لدى الناس، ليس عن طريق تكريس فكرة الكهنوت، وإنما عن طريق التركيز على فقه المقاصد والمآلات، وعن طريق فتح الطريق لباب الاجتهاد السياسي والتجديد الفقهي، والمشاركة البناءة في إعادة بناء المجتمع، والانتقال السريع من مربع "حراسة الدين" الذي يجيده الكثير من العلماء إلى مربع "سياسة الدنيا بالدين" الذي يحتاج إلى جهد حقيقي وانفتاح كامل على مختلف الثقافات والتجارب الإنسانية المعاصرة.

ـــــــــــــــــــــــــ
النص الأصلي في مدونة الأستاذ وائل عزيز.
المجموعة البريدية للمدونات العربية . لأخذ فكرة عنها و عن أهدافها ، اضغط هنا
مجموعات Google
اشتراك في المجموعة البريدية للمدونات العربية
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

أكثر المواضيع رواجا منذ نشأة المدونة.

حدث خطأ في هذه الأداة

تصنيفات

أخبار التدوين. (69) أخلاقيات التدوين. (6) استطلاع رأي. (3) الإنترنت في الدول العربية (3) التدوين من خلال تقييمات لتجارب شخصية. (2) المدونات الجوارية. (1) المدونات و دورها في الدعاية الفكرية و السياسية. (2) اهتمام رجال السياسة و مؤسساتهم بميدان التدوين. (9) اهتمام وسائل الأعلام بالتدوين و المدونات . (5) تدويناتي الخاصة. (32) تعرف على الأردن (1) تعرف على الجزائر (3) تعرف على موريتانيا (3) تعرف على موريتانيا. (1) تنظيمات التدوين (1) حريات (5) حملات عامة. (11) حوار مع مدون (مختصرات عن كرسي الإعتراف ) (3) حوار مع مدون أردني (2) حوار مع مدون جزائري (7) حوار مع مدون فلسطيني. (1) حوار مع مدون مصري. (4) حوار مع مدون موريتاني (5) حوار مع مدون. (5) دراسات عن التدوين (3) دعاية و ترويج (5) دليل المدونات العربية. (4) عيد سعيد (1) متابعات. (9) معلومات عامة عن الدول العربية (3) مفهوم التدوين و أهميته (14) مقالات عن التدوين في الأردن. (12) مقالات عن التدوين في الجزائر (7) مقالات عن التدوين في الكويت. (1) مقالات عن التدوين في فلسطين (1) مقالات عن التدوين في مصر. (7) مقالات عن التدوين في موريتانيا. (6) ملف التدوين الجواري (5) ملفات التدوين. (4) من أحسن ما قرأت في المدونات المصرية. (3) من أحسن ما قرأت في مدونات موريتانيا (1) من أهم ما قرأت في مدونات الأردن (2) من أهم ما قرأت في مدونات الجزائر. (7) من أهم ما قرأت في مدونات المغرب. (3) مواقع أدلة و منصات متخصصة في التدوين. (1) نجوم التدوين ( حوارات ) (11) نصائح و مساعدات عملية يحتاجها المدون (5) نقاش (5) هذه المدونة (2) وحدة الأمة العربية و الإسلامية . (1)