
سْكيرا أَمة موريتانية هاربة لا تذكر من صباها إلا استقاء الماء وجز البهائم والطبخ والتنظيف. "كنت أُغَل طول الليل وطول النهار، ولم يكن يفك قيدي إلا لأكدح، والآن يتعذر عليّ تحريك أطرافي". ولم تربح في حياتها ولو فلساً واحدا. "كل هذه السنين ولا أملك حتى عنزة". أما محمد، فلا يملك حق إعطائي اسمه العائلي أو سنه، لكنه أطلعني على قصة حياته على ضوء شمعة في كوخ بضواحي العاصمة نواكشوط، فقال لي: "لا أعرف حتى كيف أصبحت عبدا، كلما أعرفه أنني الطفل الوحيد لوالدي، وأن أفراد أسرتي عبيد، فكنا نقوم بأشق الأعمال لمالكينا ولم نلق إلا الضرب أجرا".
دلائل وبعد ثلاث محاولات لمنع العبودية، كانت آخرها سنة 1981، أقرت موريتانيا قانونا أكثر جدية مما سبق، ينص بمعاقبة المستعبدين بغرامة مالية أو سجنا. لكن أحدا لم يتابع بعد بموجب القانون الجديد. ويقول بامريم كواتا مدير اللجنة الحكومية لحقوق الإنسان إن هذا الإجراء كان للامتثال للمعايير الدولية ليس إلا. لكنه يؤكد أنه لم تتم متابعة أحد لأن العبودية اجتُثت منذ أمد طويل في موريتانيا. "هل رأيت عبدا أو سوق عبيد؟ فبادر بالإجابة بنفسه: "بالطبع لا".
يقول المسؤولون الموريتانيون إن العبودية لا وجود لها في البلادوما يقصده هذا المسؤول هو أن الرقيق لا يباع ويشترى في وضح النهار. بل الأمر أسوأ من ذلك، على حد قول بوبكر مسعود، مؤسس الجمعية المحلية لتحريرالرقيق من العبودية إس أو إس سليفس.
ويرى السيد مسعود أن "من يُستعبد يعرف الحرية، ولذا وجب غله، لكن عبدا موريتانيا ممن ولد لآباء وأجداد كانوا عبيدا، فلا حاجة لذلك، فقد رُبي كحيوان أليف".
اغتصاب كانت أم سكيرا أمة، فلا جدل في أن تكون كذلك هي الأخرى فتتذكر بغضب السنوات التي عوملت فيها كالحيوان. "اغتصبوني مرارا. عند حلول الليل، كانوا يجيئون إلي ولم أكن استطع منعهم، ولو كنت حرة لما استسلمت."
وفي حجر سكيرا يغفو تذكار من أيام عبوديتها، بينما ينام آخر عند قدميها على أرضية الكوخ الصدئ. "مالكي هو والد طفلي الأول، وابن مالكي والد طفلي الثاني ووالد طفلتي الرضيعة هو ابن أخ مالكي.
" بهذه الطريقة، يقول بوبكر مسعود، "حققنا ما كان يطمح إليه المستعبدون من أصحاب المزارع الأمريكية، وهو الذل التام لرقيقهم".
عد العبيد لم تكن سكيرا مستسلمة تماما، وكانت مظاهر الرفض القليلة عندها تجلب لها الضرب حتى سنحت لها الفرصة للهرب، فقد كانت مصرة ألا يكبر أبناؤها عبيدا. هرب محمد من مالكه، لكن جنودا كانوا مارين بقريته أعادوه إليه. "قلت لهم إنني أفضل أن أرمى بالرصاص وأدفن على أن أعاد إليه".
وجوابا على نفي الحكومة الموريتانية وجود الظاهرة في البلاد، يعرض محمد أسماء من تركهم في العبودية من أفراد عائلته. ويسأل باستحياء:"هل لك أن تعديهم إن ذكرت لك أسماءهم؟ فأنا لم يعلمني أحد". مازال ثمانية من أقرب أقربائه عبيدا، ويؤكد أن هنالك المزيد منهم في موريتانيا. لكن من الصعب معرفة عددهم، إذ أن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان كمنظمة العفو الدولية تمنع من دخول البلاد للبحث في الأمر.
ويقول بوبكر إن الحكومة "لا تنكر وجود العبودية أو تمتنع عن الإجابة عن تساؤلاتنا فحسب، بل أعاقت أنشطة منظمات تختص بالموضوع بطرق شتى، بما فيها رفض الاعتراف بها رسميا". كما تم الزج ببوبكر وزملاء له من إس أو إس سليفس في السجن ردا على نشاطهم ضد العبودية. ويظهر أن الحكومة لا تولي أهمية حقيقية للقضاء على هذه الظاهرة، التي تبقى من أدفن أسرارها. ويقول محمد: "الكل يعلم أننا كنا عبيدا، فمن العادي أن يكون في موريتانيا عبيدا".
ــــــــــــــــــــــــــــ
تحرير الرسالة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عودة لمرصد مدونات موريتانيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق