السبت، 5 يونيو، 2010

آخر الأخبار / المدونات من البوست إلي التويت - كتاب جديد للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان يطرح تأريخا موجزا عن المدونات العربية

أعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان اليوم عن إصدارها لكتاب جديد عن المدونات حمل عنوان “المدونات من البوست إلي التويت” أعده الصحفي والمدون الشاب “احمد ناجي” و ذكرت بأن الكتاب يعد أول رصد وتأريخ لخمسة أعوام هي عمر ظهور المدونات العربية بشكلها المعروف حالياً ، عبر محاولة صنع تاريخ موثق لعالم المدونات العربية وما صنعته في السنوات الخمس الأخيرة ، راصدا أثرها في دعم حركات الإصلاح السياسي في العالم العربي وكذلك في إثارة الجدل حول عشرات القضايا المجتمعية بدءا من وضع المرأة العربية وحتى صورة الأخر في الذهنية العربية.

ويأتي الكتاب في قالب مختلف ، حيث يؤرخ ويحكي بشكل شيق و أقرب للرواية عن ظهور المدونات وقد تعمد معد الكتاب “أحمد ناجي” اختيار اسم الكتاب من مصطلحات المدونون أنفسهم حيث أن كلمة “البوست” تعني إضافة الموضوع “التدوينة” لنشرها على المدونة, وكلمة “التويت” هي التدوين المصغر والذي يلجأ له الملايين من مستخدمي الإنترنت عبر الموقع الأشهر في العالم لآن وهو موقع تويتر.

وجاءت محتويات كتاب “المدونات من البوست إلي التويت” على هيئة أبواب متعاقبة تبدأ بتعريف المدونات وإيجاز تاريخها ، ثم الدور المباشر الذي لعبته المدونات في عدد من القضايا ذات الطابع السياسي ، لينتقل إلى تتبع تأثير المدونات على المجالات الثقافية والاجتماعية ، وأخيرا علاقة المدونين أنفسهم خارج الفضاء الافتراضي وعلاقاتهم المتشابكة بعدد من المؤسسات المحلية والعالمية.

ويمكن الإطلاع علي الكتاب علي موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان من خلال الرابط التالي :

http://www.anhri.net/?p=7052

كما يمكن طلب نسخة مطبوعة مجانية من الكتاب من مقر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في: 10 شارع علوي – خلف البنك المركزي شقة 5 , وسط المدينة – القاهرة .

ــــــــــــــــ

المصدر

هناك 22 تعليقًا:

  1. مجهود رائع فعلا وقدير .. يشكر عليه فموجة التدوين أصبحت موجة عملاقة كتسونامي فكري جديد.

    ردحذف
  2. مع الأسف الموقع محجوب في السعودية???????????????? لو أمكن أخي في الله تحميل الكتاب ووضعه على رابط خاص في مدونتك من أجل التحميل وشكرا .. كما أود معرفة اسم مدونة صاحب الكتاب لو أمكن وجزاك الله خير الجزاء.

    ردحذف
  3. ظننت أن الرابط يؤدي إلى تحميل الكتاب بأكمله لكنه يؤدي لمقدمة الكتاب فقط
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أحمد ناجي

    تقديم

    ليس أصعب من أن تحارب خصم خفي ، إلا أن تحارب صاحب حق.

    خمسة أعوام تقريبا على ظهور المدونات العربية بشكلها المعروف حاليا ، اختصرت الكثير والكثير من صراخ المؤسسات الحقوقية ، وعناوين ومانشيتات صحف المعارضة ، وأخبار المقدمة في الفضائيات المستقلة.

    وخمسة أعوام في عصرنا الحالي قد تضاهي بالتطور الذي تشهده ، خمسة قرون من الماضي ، لذلك وحينما نمد المنطق على استقامته ، فخمسة أعوام على ظهور المدونات ، تعني ظهور جيل جديد من المدونين ، يبدأ من حيث انتهي الجيل الأول ، ويستخدم المدونات والشبكات الاجتماعية على الانترنت بشكل يصعب مواكبته أو الحد من سلاطتة لوحة مفاتيحه.

    حينما تتحدث مع أحد المدونين من الجيل الأول عن الحراك السياسي في عام 2005 ، ورغم أن عمر أغلبهم لا يتجاوز الثلاثين ، وعمر هذه الحركة لا يزيد عن خمسة سنوات ، فسوف ينظر إليك شاردا ، ويحاول أن يفتش في ذاكرته عن أحداث يراها البعض قريبة وماثلة في الذاكرة ، ويراها هذا الجيل ممن ساهم في تسليط الضوء عليها وكأنها حدثت في زمن بعيد أو كحدث أعقبته مئات الحوادث والفعاليات التي شارك في صنعها.

    كنت كمدير للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ضمن المتابعين لهذه الوسيلة” المدونات” التي منحت “بوقا لمن لا بوق له” و”منبرا لمن لا منبر له”، أتابع مدونة منال وعلاء ، وحوليات صاحب الأشجار ، ومحمود اليوسف ، طق حنك ، وجار القمر، وغيرهم من الجيل الأول الذي رسخ أقدامه كجيل مدافع عن الديمقراطية وعن حقه في أن يكتب ما يراه ، بغض النظر عن الخطأ والصواب ، وبلغه لا يعنيه أن يعترض عليها البعض أو يثني عليها البعض الأخر.

    وحين ظهر الجيل الثاني ، لم أشعر بالملل على الإطلاق ، بل بت ألهث وأنا أتابع بشغف الإنتاج الغزير لـ “جبهة التهييس الشعبية ، وأنا إخوان ، تحية نضالية ، والصعيدي ، وسعودي جينز” وغيرها من مدونات الجيل الثاني أو هكذا أظن.

    ثم تعاقبت الأجيال ، وأصبت بحيرة ،واكتفيت بسؤال واحد “أين هي البداية؟ ” ، لأنني لا أظن أن هناك نهاية ، سواء للمدونين أو لتطور الانترنت وظهور أدواته.

    قليلة هي السنوات التي مرت على ظهور المدونات ، غزيرة هي هذه السنوات القليلة في إنتاجها ونتائجها وعددها.

    لذلك كان من الضروري أن يؤرخ لهذه الفترة ، ولم يكن أقدر على تأريخ هذه الحقبة التدوينية بكل ما حفلت به من نجاح وما شهدته من كبوات سوى جبرتي المدونات ، أحمد ناجي.

    حين قرأت مسودة هذا الكتاب لأساعد في تصحيح بعض التواريخ أو المعلومات ، فوجئت أنني قرأته ثلاثة مرات في يوم واحد ، فهذا كتاب مختلف ، يؤرخ لك ، ويقص عليك ، ويحكي لك كقصة شيقة ، كيف حول هؤلاء الشباب مقولة وشعار “حرية التعبير” إلى حقيقة ، ليس فقط في طرح الأفكار ، أو الهموم أو الآراء ، بل أيضا كيف تجسدت حرية التعبير في لغة هذا التعبير.

    يجلسون على حواسيبهم ، وينطلقون في الشوارع ، ويلتقون في المقاهي ، ويتظاهرون في الميادين، ويفضحون على الملأ ، ويدافعون بصلابة عن حقهم ، لذلك كرهتهم الحكومات ، وحاربتهم ، ولم تهزمهم

    ردحذف
  4. فهم أصحاب حق ، وقوتهم في صدقهم.

    لن أطيل عليك ، فها هي بين يديك قصة المدونات ، كما رآها وأرخ لها صاحب مدونة وسع خيالك، نقدمها لك ، لنحرضك على أن تنحاز لهؤلاء المدونين ،وتحلم معهم بمجتمع يسمع للمختلف قبل المتفق ، ويناقش قبل أن يحاكم ، ويهتم بالشباب ولا يهملهم.

    جمال عيد

    مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

    إلى ..
    الجماجم التي ظلَّت تهاجِم .

    المقدمة

    عزيزي أنهري ،
    بعدَ التـَّحِيَّـةِ والسَّلامِ . فهذا كتابي إليكَ ، حاولتُ إحكامَه وضبطَه قدرَ المُستطاعِ ، وحسبَ ما كان بينَنا من بيِّنـَةٍ واتفاقٍ ، فبإذنِ اللهِ تجدُ فيهِ ما كُنتَ تبحثُ عنهُ وتبتغي .
    و اعلمْ – أعانكَ الله – أنَّ المُدوَّناتِ من بِدَعِ آخرِ الزمانِ ، يحصُلُ فيها الضَّلالُ ، ويحصُلُ فيها الهُدى ، وبينَهما منافعُ كثيرةٌ ، وعلى حَسَبِ وِجهةِ الطَّالبِ يجدُ المطلوبَ . ولا نقصد من وراءِ كتابِنا هذا تبيينَ النافعِ من المُضِلِّ أو الغَثِّ من السَّمينِ ، فهذا أمرٌ متروكٌ لكَ . وإنَّما أردنا من كتابنا هذا أن يكونَ بمثابة دليلٍ مُبَسّطٍ للسَّائلِ عن حَالِ المُدَوَّناتِ ومَشَاربِها . وطموحُنا أن يكونَ تأريخًا موجزًا لصيرورةِ المُدَوَّناتِ في السَّنواتِ الماضيةِ والأحداثِ والتغيُّراتِ التي ساهمت فيها ، سواءٌ كانَ ذلكَ بشكلٍ مُباشِرٍ أو غيرِ مُباشِرٍ ، مُرَكِّزينَ بالأساسِ على حالِ المُدَوَّناتِ المِصريَّةِ وما تشاركت فيها مع غيرها من المُدَوَّناتِ العربيَّـةِ .
    سعيًا وراءَ هذا المُبتغى فقد نظَّمنا كتابـَنا على هيئةِ أبوابٍ مُتعاقبةٍ تبدأُ بتعريفِ المُدَوَّناتِ و إيجازِ تاريخِـها . والبابُ الثاني نُبَيـِّنُ فيهِ الدَّورَ المُباشِرَ الذي لعبته المدونات في عددٍ من القضايا ذاتِ الطابع السياسي. أما البابُ الثالثُ فنحاولُ فيه تتبُّعَ تأثيراتِ أثيرِ المُدَوَّناتِ على بعضِ المجالاتِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ ، بينما نُخَصِّصُ البابَ الرابعَ لتتبُّعِ علاقاتِ المُدَوِّنينَ أنفسهمْ خارجَ الفضاءِ السَّيبريِّ ، وعلاقاتِهم المتشابكةِ بعددٍ من المؤسَّساتِ المحليـَّةِ والعالميـَّةٍ.
    ويطيبُ لنا أن نشكرَ في خاتمة هذهِ “المقدمة” عديداً من المُدَوِّنينَ والباحثينَ الذينَ أمدُّوا الفقيرَ للهِ كاتبَ هذا الكتابِ بالكثيرِ من الدَّعمِ والمعلوماتِ ، آملينَ أن يكونَ هذا الكتابُ منارةً في بحارِ الإنترنت ، وأداةً تجلبُ – ولو قدرًا ضئيلاً من المتعةِ والمنجهةِ الذِّهنيَّةِ – نورمندي تو. سيري على بركةِ الله .

    مَـفاتيحُ أساسِيَّـةٌ و فَذلَكَـةٌ تاريخـيَّةٌ

    دَوَّنَ .. تَدوِين .. مُدَوَّنـَة

    عُرِفَت الكلمةُ باللغةِ الإنجليزيةِ في البدايةِ باسمِ weblog وهي مُرَكَّبةٌ من كلمتينِ web بمعنى شبكة و log بمعنى سِجِلّ ، أي “سِجِلّ الشَّبكة” لتُختَصَرَ بعدَ ذلكَ إلى blog فقط . وقد عُرِفَت الكلمةُ باللغةِ العربيةِ تحتَ عددٍ من المُسَمَّياتِ ( بلوج ، بلوغ ، بلوك ، مُعَلَّقة ) حتَّى تمَّ الاستقرارُ على كلمةِ ” مُدَوَّنـَة ” المُشتَقَّةِ من الفعلِ دَوَّنَ .
    يُقصَدُ بالمُدَوَّنـَةِ1 تقنيةٌ للنَّشرِ عبرَ الإنترنت ، تعملُ من خلالِ نظامٍ بسيطٍ لإدارةِ المُحتوَى ، عبارة عن صفحةِ ويب على الإنترنت تظهرُ عليها تدويناتٌ (مُدخَلات) مؤرَّخةً ومُرتَّبةً ترتيبًا زمنيًا تصاعُدِيًّا ، يُنشَرُ منها عددٌ محددٌ يتحكَّمُ فيه مديرُ أو ناشرُ المُدَوَّنةِ ، كما يتضمَّنُ النِّظامُ آليةً لأرشفةِ المُدخَلاتِ/ الـتَّدويناتِ القديمةِ ، ويكونُ لِكُلِّ مُدخَلَةٍ منها مسارٌ دائمٌ لا يتغيَّرُ مُنذُ لحظةِ نَشرِها ، يُمَكِّنُ القارئَ من الرُّجُوعِ إلى تدوينةِ مُعيَّنةِ في وقتٍ لاحقٍ ، عندما لا تعودُ مُتاحةً في الصَّفحةِ الأولى للمُدَوَّنةِ ، كما يضمنُ ثباتَ الرَّوابِطِ ، و يَحولُ دونَ تحلُّلِها . كلُّ هذا يتمُّ من خلالِ آليَّةٍ تقنيَّةٍ تتميَّزُ بالسُّهولةِ ، إلى جانبِ عددٍ من التـِّقنياتِ المُسَاعِدَةِ مثلَ تِقنيةِ RSS التي تهدفُ إلى تسهيلِ مُتابعةِ التَّحديثاتِ التي تطرأُ على المُحتوَى المَنشورِ دونَ الحاجَةِ لزيارةِ المواقعِ بشكلٍ دورِيٍّ ، ودونَ الحاجةِ للاشتراكِ في قوائم بريديـَّةٍ ، وخدمات أخرى للرَّبطِ بينَ المُدَوَّناتِ ، إلى جانبِ الخَاصِّـيَّةِ الأهَمِّ وهي التـَّعليقات التي تُحَقِّقُ الـتَّفاعُلَ بينَ المُدَوِّنينَ والقُرَّاءِ .

    ردحذف
  5. تأخذُ المادةُ المنشورةُ على المُدَوَّناتِ شكلَ نُصوصٍ مكتوبةٍ على حَسَبِ اللغةِ التي يُفَضِّلُها الكاتب، لكنَّ هناكَ أنواعًا أخرى من المُدَوَّناتِ لا تعتمدُ على النَّصِّ المكتوبِ ، وتستخدمُ وسَائِطَ أخرى ، مثلَ الصُّورِ / photoblog، الرسوماتِ / sketchblog، الفيديو/ vlog، و الصوت/ podcasting.
    و تـُقَدَّمُ خدمةُ المُدَوَّناتِ من خلالِ عددٍ من المواقعِ ، على رأسِها بلوجسبوب blogspot.com2، وُرد برِسّ 3 .wordpress.com، مكتوب4 maktoob.com، كاتب5 katib.org ، إلى جانبِ مواقعِ الاستضافةِ الخاصَّةِ ، حيثُ يقومُ بعضُهم بشراءِ مساحاتٍ على بعضِ الخوادمِ ، وأسماءِ نطاقاتٍ خاصَّةٍ مثل manalaa.net.
    ولتبسيطِ هذهِ الجوانبِ التـِّقنِيَّةِ في عالمِ المُدَوَّناتِ ، قامَ العديدُ من المُدَوِّنينَ بكتابةِ كُتَـيِّباتٍ إلكترونية تشرحُ بالتفصيلِ كيفيةَ إنشاءِ المُدَوَّنةِ ، وتقديمِ الخطواتِ التقنيةِ التي يجبُ اتـِّباعُها لإنشاءِ المُدَوَّنةِ ، وأبرزُ هذهِ الأدلَّةِ كُتَـيِّبُ “ألفباء التدوين” الذي يمكنُ تحميلُه من : http://abcblogging.com/

    العَصرُ الجليدِيُّ الأوَّلُ

    “وضعت أمامي زجاجة البراندي نصف الممتلئة—نصف الفارغة كي لا أفقد المعنى—وسبعا وثلاثين قرص دواء زهري اللون. لا أعرف نوع الدواء حقا، ولكن لا بد أنه في عمر فتاة مراهقة الآن، فقد مر وقت طويل منذ أن بيعت عبوة المائة قرص لأي دواء بخمسة عشر قرشا.
    هل هذا ما أريده فعلا؟ لا يتوقع الجميع من شخص على وشك أن ينهي حياته أن يفكر في حلول لمشاكل المحرومين في العالم.”
    من مُدَوَّنةِ حوليَّاتِ صاحبِ الأشجارِ6

    من الصَّعبِ تحديدُ لحظةِ البدايةِ مثلما يصعُبُ تحديدُ لحظةٍ للنهايةِ . والأصعبُ أن نشيرَ لمُدَوَّنةٍ ما بعينها ونقول إنها أولُ مُدَوَّنة ، لكن على حَسَبِ المروِيَّاتِ التاريخيةِ ، واعتمادًا على الوثائقِ المحفوظةِ على موقعِ “أرشيف الانترنت” 7 فعمرو غربية هو أولُ مُدَوِّنٍ مِصريٍّ عربيٍّ أنشأ مُدَوَّنةً ، وكانت في البدايةِ باللغةِ الإنجليزيةِ عام 2002 ، بينما يحتلُّ أخوه أحمد غربية المرتبةَ الأولى بمُدَوَّنته “طَيّ المتَّصَلِ”8 أول مُدَوَّنةٍ باللغةِ العربيةِ والتي بدأها في نوفمبر 2003. وبعيدًا عن المروِيـَّاتِ التاريخيَّةِ ، فهناكَ مُدَوَّنةُ “حواديت” لرحاب بسَّام ، والتي بدأتها كما هو مُسَجَّلٌ في أرشيفِ المُدَوَّنةِ عام 2000 باللغةِ الإنجليزيةِ ، وتَطلَّبَ الأمرُ منها أربعَ سنواتٍ حتَّى 2004 لتنتقلَ إلى الكتابةِ باللغةِ العربيَّةِ . لكنَّ الأهمَّ من تحديدِ البداياتِ ومنحِ ميدالياتِ المراكزِ الأولى ، هو التوقُّفُ عندَ أوَّلِ تجمُّعاتِ المدونينَ المصريينَ .
    فالمُدَوَّناتُ ، وعلى عكسِ وسائلِ النَّشرِ والتَّواصُلِ التي كانت موجودةً على الإنترنت قبلَها (غُرَف الشَّات ، المنتديات ، المجموعات البريديَّة ) ليست غُرفةً واسعةً يلتقي فيها الأشخاصُ معَ بعضِهم البعض ، لكنَّها مساحةٌ وحيِّزٌ خاصٌّ ، غرفةٌ تَخُصُّ المرءَ وحدَه . وتأثيرُ المُدَوَّناتِ وفعالياتِها ينبعُ من عملياتِ التَّشارُكِ التي تنتجُ بينَ المُدَوِّنِ والأحداثِ والتَّفاصيلِ التي يُدَوِّنُ عنها من جهةٍ ، وبينَ المُدَوِّنِ وقُرَّائه الذين قد يتركون تعليقاتِهم لديهِ ، والذينَ قد يكونوا مُدَوِّنينَ آخرين . وهكذا فقد ظهرت هذه الفاعليَّةُ للمرَّةِ الأولى من خلالِ ما يُعرَفُ بحلقةٍ المُدَوِّنين9 والتي أسَّسها “أحمد حلمي/ Hellme” المُدَوِّنُ المِصرِيُّ الذي كانَ يعيشُ في إنجلترا .
    كان الهدفُ من الحلقةِ / الموقعِ أن يكونَ بمثابةِ دليلٍ للمُدَوَّناتِ المِصريةِ ، سواءٌ تلكَ المكتوبة باللغةِ العربيةِ / الإنجليزيةِ / الفرنسيةِ أَم بغير ذلك من اللغات . وبسرعةٍ تحوَّلَ الموقعُ إلى واحةٍ صغيرةٍ تضُمُّ بعضَ المُدَوَّناتِ القليلةِ التي ظهرت في 2004 و2005 ، وقد ساعدَهُ أحمدُ غربية في تصميمِ مجموعةٍ من الأزرارِ التي يمكنُ وضعها على المُدَوَّناتِ المِصريَّةِ كرابطٍ لموقعِ حلقةِ المُدَوِّنينَ ، وكختمِ دمغة على مِصريَّةِ المُدَوَّنةِ .

    ردحذف
  6. حالت مِصرِيَّةُ الرَّابِطةِ دونَ وجودِ مُدَوَّناتٍ أخرى عربيةٍ بدأت في الظهورِ ، وهكذا نشأ تجمُّعٌ آخرُ هو ” الشَّاملُ في المُدَوَّناتِ العربيةِ “10 بِمُبادرةٍ من إيهاث11 والدوك راء12. وعلى خلافِ حلقةِ المُدَوِّنينَ المِصرِيينَ فلم يكُن الشَّاملُ موقعًا مُتكامِلاً ، بل صفحة مُدَوَّنة على موقعِ بلوجر ، تُحَدَّثُ بانتظامٍ بجديد المُدَوَّناتِ . ولأنـَّها مُدَوَّنةٌ فقد كانت هناكَ إمكانيةُ أن يُشارِكَ في تحريرِها العديدُ مِنَ المُدَوِّنينَ الآخرينَ 13، الذين كانوا يُضيفونَ مُدَوَّناتٍ أخرى ، أو يكتبونَ تقاريرَ صغيرةً عن عالمِ المُدَوَّناتِ الذي بدأ في التشكُّل . لكن بدأت تظهر مشكلةٌ أخرى ، يمكنُ اعتبارُها أولَ مُواجَهَةِ للمُدَوَّناتِ معَ حُرِّيـَّةِ الرَّأي والتـَّعبيرِ على الإنترنت.
    ففي أكتوبر 2005 ظهرت مُدَوَّنةُ “ابن نواس”14 و التي وضعَ صاحبُها له تعريفًا بسيطًا “الجنس هو الغريزة التي تتفق عليها سائر المخلوقات” ، كانت أغلبُ تدويناتِ ابن نواس ذاتَ طابعٍ جنسيٍّ . يقفُ على الهامشِ بينَ البورنوغرافيا ، والنقدِ الاجتماعيِّ .
    دارت مجموعةٌ من المُناقشاتِ بينَ المُشرفينَ على مُدَوَّنةِ الشَّاملِ حولَ إضافةِ المُدَوَّنةِ في الدَّليلِ و عدمِ إضافتِها . انتهت المناقشاتُ بقرارِ المُشرِفينَ على دليلِ الشَّاملِ بعدمِ إضافةِ المُدَوَّنةِ 15.
    في النِّهايةِ ، الشَّاملُ كانت مُدَوَّنةً جماعيَّةً ، مِلكِيَّـتُها تعودُ للأشخاصِ القائمينَ عليها ، واختيارُ ما يريدونَ وضعَه وما لا يريدونَ وضعَه ، لكنَّ هذهِ الأزمةَ العابرةَ وما تَبِعَها من نِقاشاتٍ في عددٍ من المُدَوَّناتِ في ذلك الوقت ، كانت بمثابةِ إشَارةٍ واضحةٍ إلى أنَّ الحاجزَ الذي ستسعى المُدَوَّناتُ لتوسيعِهِ باستمرارٍ ، وكَسرِه وتجاوزِه هو حاجزُ حُدودِ حُرِّيـَّةِ الرَّأي والتـَّعبيرِ .

    العَصرُ الجليدِيُّ الثَّاني

    “قبل ثلاثه16 أسابيع كنت أشعر بالإحباط نتيجة عدم وجود بلوجات بالعربي. فقد مرت سنه علي بداية كتابتي للبلوج بالإنجليزي وأنا من متابعي البلوجات العراقيه بشكل مستمر ولاكن كلها بالإنجليري. كنت أشعر بالأسف علي نفسي وعلي حال الأمه العربيه وعلي حال اللغه العربيه. لماذا لايوجد بلوجات بالعربي؟ لماذا كل العرب يختارون الكتابه بالإنجليزي؟ وبعدها قلت لنفسي” بدل ما تلعن الظلام ولع شمعه ولو خافته”. قررت أن أبتدئ الكتابه بالعربي وبعدها بأيام أكتشفت عده بلوجات عربيه أعجبتي. وخلال أيام تحول الإحباط إلي أمل. وأصبحت أحلم أحلام كبيره. لربما أصبحت إيهاث وغيرها من رواد ضاهرة البلوجر في العالم العربي.”
    من مُدَوَّنةِ إيهاث17

    القفزةُ في تجمُّعاتِ المُدَوِّنينَ كانت مع ظهورِ مُدَوَّنةِ علاء ومنال18 في عام 2004. فعلاء لم يلجأ في إنشاء مُدَوَّنته إلى استخدامِ المواقعِ المجَّانيةِ . بل استفادَ من خبرته ودرايته بالبرمجيَّاتِ المفتوحةِ ، وأنشأ مُدَوَّنةً على حسابٍ خاصٍّ ، وباستخدامِ تقنيةِ نشرٍ جديدةٍ مُغايرَةٍ ، وهي تِقنيةُ دروبال/ Durpal. استفادَ علاءُ من الإمكانيَّاتِ التي تُوَفِّرُها هذه التِّقنيةُ ، وعلى رأسِها تِقنيةُ rss التي تسمحُ بإضافةِ عددٍ من المُدَوَّناتِ أو المواقعِ المُهِمَّةِ ، ومُتابَعَةِ الجديدِ على هذهِ المواقعِ بشكلٍ دورِيٍّ . وبطبيعةِ الحالِ فقد كان الزوجانِ يضيفان المواقعَ التي يهتمَّانِ بها . وهو الأمرُ الذي حوَّلَ مُدَوَّنتهُما إلى مركزِ تجمُّعٍ أساسِيٍّ لِكُلِّ المُدَوِّنينَ ، أو المُهتَمِّينَ بِمُتابعةِ المُدَوَّناتِ .
    فمِن خلالِ زيارةِ مُدَوَّنةِ منال وعلاء كان يمكنُ معرفةُ الـتَّدويناتِ الجديدةِ على كُلِّ المُدَوَّناتِ المِصرِيَّةِ . الأمر الذي رفعَ من نسبةِ زوَّار المُدَوَّنةِ ، و وثَّقَ العلاقاتِ بينَ المُدَوِّنينَ وبعضهم البعض. والتي انتقلَ بعضُها من علاقاتٍ في الواقعِ الافتراضيِّ إلى علاقاتِ صداقةٍ أو معرفةٍ في الحياةِ الواقعيَّةِ .
    يجبُ أن نُوَضِّحَ هنا أنَّ المُدَوَّناتِ في تلكَ المرحلةِ لم تكن في بؤرةِ الضَّوءِ الإعلاميِّ بعدُ . وكُتَّابُها وقراؤها في الأغلبِ كانوا مجموعةً من خريجي الجامعاتِ الذينَ يُتقِنونَ التعاملَ مع الإنترنت ، ولديهم وجهاتُ نظرٍ ، ومواقفُ سياسيَّةٌ ، أو ثقافيَّةٌ ، يسعونَ لطرحِها من خلالِ المُدَوَّناتِ . هم بقدرٍ من المبالغةِ نُخبةٌ شَابـَّةٌ من الطَّبقةِ المتوسِّطةِ ، وبالرُّغم من أنَّ هذا الـتَّبسيطَ يبدو مُخِلاًّ ، وغيرَ مُوَثَّقٍ بشكلٍ عِلميٍّ ، لكنَّ هذهِ الرؤيةَ يمكنُ العثورُ على دلائلَ مؤكِّدة لها ، في الاستبيانِ الذي أجراه ميلاد يعقوب عن حركةِ التـَّدوينِ المِصرِيَّةِ .19 عام 2005

    ردحذف
  7. العَصرُ الدّيناصُورِىُّ

    اشتركنا سوية في حب الفتاة ذاتها، و لكن ليس في الوقت ذاته، اقتربت منها بعد ان تركها محطمة لنبدأ قصة فاشلة اخرى للفتاة المسكينة، إلا أنني لسبب ما رغبت في مساعدته عندما كان يستفسر عن عمل، ورددت على تساؤلاته الغبية على غرار : ” عندما أصل أي بلد عربي للعمل فسأستخدم جواز سفري الأردني ليعرفوا أنني عربي و يحسنوا معاملة أخيهم في العروبة…”
    ايه العبيط ده؟
    مِن مُدَوَّنة طقّ حَنك20

    في 2005 أعلنَ21 الرئيسُ محمدُ حُسني مُبارك عن تعديلِ الدُّستورِ ، بحيثُ يسمحُ بترشيحِ أكثر من مُرَشَّحٍ لمنصبِ الرَّئيسِ ، هذا الإعلانُ الذي كانَ من مُحافظةِ المنوفيةِ الجميلةِ النظيفةِ المتطوِّرةِ ، تَبِعَـهُ حِرَاكٌ سياسِـيٌّ كبيرٌ ، ترادَفَ معَ ظهورِ حركاتِ احتجاجٍ شعبيَّةٍ مختلفةٍ ، على رأسِها حركةُ “كِفاية” ، وكانَ من الطبيعيِّ أن يتفاعلَ المُدَوِّنونَ معَ هذا الحِراكِ الذي بدأ كَكُرَةِ ثلجٍ أخذت تكبرُ بتوالي الأيامِ والأحداثِ ، حيثُ تلى تعديلَ الدستورِ انتخاباتُ الرِّئاسةِ ثمَّ انتخاباتُ مجلسِ الشَّعب ، ثمَّ احتجاجاتُ القُضاةِ على تزويرِ الانتخاباتِ ، وقد تفاعلَ المُدَوِّنونَ معَ كُلِّ ذلك ، مِن خِلالِ ما يكتبونه وينشرونه على مُدَوَّناتهم ، في وقتٍ كانت ظاهرةُ الجرائدِ المُستقِلَّةِ في بدايتها ، وعَاصِفةُ برامجِ “التـُّوك شو” المصرية على القنواتِ الفضائيةِ لم تبدأ بعدُ ، وكُـلُّها عواملُ جعلت من المُدَوَّناتِ مساحةً إعلاميَّةً للتعبيرِ عن المسكوتِ عنهُ في وسائلِ الإعلامِ الأُخرى .
    لذلكَ حفلتْ مُدَوَّناتُ تلكَ الفترةِ بالكثيرِ من التـَّعليقاتِ السِّـيَاسيَّةِ المُعَارِضَةِ للنِّظَامِ الحَاكِمِ ، وتدرَّجت في لهجَتِها ومُستوياتِ خطابها من النـَّقدِ الموضوعيِّ القائمِ على التحليلِ السياسيِّ ، كما في تدويناتِ طقّ حَنك ، وحتى النـَّقدِ المُعَارِضِ الذي لا يتورَّعُ عن استخدامِ ألفاظٍ قد يراها البعضُ خَارِجةً أو إباحيَّةً ، كما في تدويناتِ علاء على مُدَوَّنة علاء ومنال كمثالٍ ، وهو الأمرُ الذي جذبَ الكثيرَ من القُرَّاءِ إلى المُدَوَّناتِ ، القُرَّاء الذينَ تحوَّلوا بعدَ ذلكَ إلى مُدَوِّنينَ . مما وسَّعَ من قَاعِدَةِ التَّدوينِ المِصرِيِّ .
    في الوقتِ نفسهِ أصبحَ التدوينُ محلَّ اهتمامٍ من قِبَلِ وسائلِ الإعلامِ الأخرى ، سواءٌ أكانت مَحلِّـيَّةً أو عالمـيَّةً ، فعلى المستوى العالميِّ جذبت مُدَوَّناتٌ عراقيَّةٌ ظهرت بعدَ الاحتلالِ الأمريكيِّ للعراقِ -كمُدَوَّنة خالد جرار22 وغيرها من المُدَوَّناتِ العراقيةِ – اهتمامَ الجرائدِ والصُّحُفِ العالميَّةِ والعربيةِ ، الأمر الذي جعلَ جهادَ الخازن في جريدةِ الحياةِ اللندنيةِ يخصِّص سلسلةً من المقالاتِ مُعرِّفًا بالمُدَوَّناتِ وما يُكتَبُ بها ، وفي مِصرَ كانت إشَارةُ محمدِ حسنين هيكل إلى مُدَوَّنةِ “بهيَّة”23 بمثابةِ بقعةِ ضوءٍ جعلت العديدَ من وسائلِ الإعلامِ تهتمّ بمتابعةِ المُدَوَّناتِ ، والتعاملِ معها كوسائلِ إعلامٍ مُنافِسَةٍ .
    الاتـِّساعُ في قاعدةِ المُدَوَّناتِ ، والضوءُ الإعلاميُّ الذي تسلَّطَ عليها في تلكَ الفترةِ ، سَاهما في ظهورِ ما يُعرَفُ بظاهرةِ المُدَوِّنِ النَّجم أو ما يُمكِنُنا تسميتُه – بشيءٍ من الْمُبَالغةِ السَاخِرةِ – بالمُدَوِّنِ الديناصور . فقد كانَ من الصَّعبِ على الإعلامِ أن يركِّزَ على خمسةِ آلافِ مُدَوَّنةٍ مِصرِيـَّةٍ ، ومثلها في العددِ عربيَّة التـَّوَجُّهِ ، لكن من بين هذا العددِ اختارَ الإعلامُ المُدَوِّنينَ الذينَ لا يجدونَ مشكلةً في كشفِ هُوِيَّتهم الشَّخصيَّةِ ، وتركِّز كتاباتهم على الشأنِ العامِّ ، ويفضَّلُ لو كانت لهم ممارساتٌ سياسيةٌ كأنْ يكونوا أعضاءَ في حركاتٍ سياسيةٍ معينةٍ ، أو ناشطينَ سياسيينَ يشاركونَ في المظاهراتِ والاعتصاماتِ .
    ساهم في هذا رغبةُ عددٍ من المدونينَ في تحويلِ اهتمامِهم بالشأنِ العامِ من مجرَّدِ التعبيرِ عن أفكارِهم على صفحةِ المُدَوَّنةِ إلى النزولِ بهذهِ الأفكارِ إلى الشَّارعِ 24. وهكذا ظهرَ المُدَوِّنُ الديناصورُ/ النجم الذي يظهرُ في القنواتِ التلفزيونيةِ ويتعرضُ للمُضايقاتِ الأمنيةِ ، ويستحوذُ على اهتمامِ وسائلِ الإعلامِ . وهو الأمرُ الذي أضفَى على التَّدوينِ نوعًا من الوجاهةِ الاجتماعيةِ ، شجَّعت الكثيرينَ على ممارستِه ؛ بحثًا عن نوعٍ من تحقيقِ الذَّاتِ ، أو حتى كفرصةٍ للتعبيرِ عن آرائه في الشَّأنِ العامِّ، بمختلفِ تجلِّياتِه

    ردحذف
  8. عَصرُ الفَيَـضَان

    “ بعد ربع ساعة ، وعندما لاحظت أستاذتي أنني أنظر لها بتركيز شديد وبدون أن يطرف لي جفن، وأنها تتكلم وأنا لم أُخرج كراستي بعد أو أضع السماعات حتى، أوقفت التسجيل وسألت: “في إيه يا رحاب؟” ففتحت فمي فلم يخرج سوى: “أنا خايفة أوي”.
    من مُدَوَّنةِ حواديت25

    انتهى الحِراكُ السِّياسيُّ على النتيجةِ المُعتادةِ ، وهي “يبقى الوضعُ كما هو عليه” ، الأمر الذي ظهرَ تأثيرُه في عالمِ المُدَوَّناتِ ، متمثلاً في إحباطِ البعضِ والتوقُّفِ عن الكتابةِ ، كَحَالةِ “محمد” صاحبِ مُدَوَّنةِ طقّ حَـنَك26، أو تحوُّلِ عددٍ من المُدَوَّناتِ من الكتابةِ في الشَّأنِ السياسيِّ إلى الكتابةِ في الأدبِ أو القضايا الاجتماعيةِ والثقافيةِ ، لكنَّ ما سبقَ لم يقلِّل من تركيزِ المُدَوَّناتِ على الوضعِ العامِّ أو السياسةِ ، بل سمحَ بظهورِ أطيافٍ وصورٍ أخرى للتدوينِ ، خصوصًا وقد اتَّسعت قاعدةُ التَّدوينِ ، لا في مصرَ فقط بل في معظمِ الدولِ العربيةِ .
    بإطلالةٍ سريعةٍ على مجرَّةِ التـَّدوينِ من عام 2006 حتَّى الآن ، يُمكِنُنا أن نلاحظَ كيفَ أصبحت المُدَوَّناتُ تركِّزُ في حملاتها وكتاباتها على قضايا نوعيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ، أصبحت تحتلُّ صدارةَ الخِطَابِ التـَّدوِينيِّ ، كالتَّحرُّشِ الجِنسيِّ ، وأوضاعِ المرأةِ ، و العلمانيةِ ، وتحديثِ الخِطابِ الدِّينيِّ في المُدَوَّناتِ الخليجيةِ ، القضايا الحقوقية في المُدَوَّناتِ المغربيةِ ، وفي قلبِ هذا كلِّه نجحت المُدَوَّناتُ الأدبيةُ في جذبِ العديدِ من القُرَّاءِ ، واستحوذت على أكبرِ قدرٍ من الاهتمامِ ، خصوصًا بعدما تحمَّسَ عددٌ من دُورِ النَّشرِ لتحويلِها إلى كتبٍ مطبوعةٍ ، كما في حالةِ سلسلةِ مُدَوَّناتِ الشُّروقِ ، بل وصلَ الأمرُ إلى إنشاءِ دُورِ نشرٍ – خِصِّيصًا – لنشرِ المُدَوَّناتِ ورقيًّا كما في حالةِ دارِ دَوِّن .
    أما أهمُّ ملامحِ العصرِ الفيضانيِّ ، فهي تزايُدُ استخدامِ المُدَوَّناتِ لوسائلِ النَّشرِ الأخرى ، كالصورِ والفيديو ، حيثُ ترافقَ هذا العصرُ معَ ظهورِ تقنياتٍ جديدةٍ في التلفيوناتِ المحمولةِ ، ودخولِ خدمةِ الجيلِ الثالثِ إلى شبكاتِ المحمولِ في مصرَ ، وعددٍ آخر من الدولِ العربيةِ ، وهكذا انفتحت أكثرُ القنواتِ الواصلةِ بينَ الإنترنت والموبيل ، الأمر الذي مهَّدَ الطريقَ بعدَ ذلكَ لظهورِ فيديوهاتِ التعذيبِ ، التي لعبت دورًا كبيرًا في تسليطِ الضوءِ الإعلاميِّ على قضايا التعذيبِ داخلَ أقسامِ الشُّرطةِ في مصرَ ، وكانَ هذا بمثابةِ خطوةٍ أولى أدَّت إلى مُحاكَمَةِ ضُـبَّاطِ الشُّرطةِ الذينَ شاركوا في ممارسات تعذيبٍ ضِدَّ مواطنينَ مصريينَ .
    أما في العالمِ العربيِّ، فقد ظهرَ في المغربِ “القنَّاص”، والذي نجحَ من خلالِ مجموعةٍ من الفيديوهاتِ التي رفعها على الإنترنت في الكشفِ عن بعضِ مظاهرِ فسادِ السُّلطةِ المغربيةِ ، حيثُ أظهرت فيديوهاتُ القنَّاصِ بعضَ رجالِ الشُّرطةِ والمرورِ المغاربةِ ، وهم يتقاضونَ رشاوَى مالِـيَّةً من عددٍ من السائقينَ .
    شَهِدَ العصرُ الفيضانيُّ أيضًا ظهورَ مجموعاتِ المُنشَقِّينَ من المنتدياتِ العاطفية ، فالمجرَّةُ التدوينيَّةُ الكبيرةُ انقسمت إلى مجموعاتٍ شمسيةٍ صغيرةٍ ، وبعضُ هذه المجموعاتِ كانَ مُنغلقًا على ذاتِه. ويحدثُ هذا في الغالبِ نتيجةَ قيامِ بعضِ أعضاءِ المنتدياتِ بافتتاحِ مُدَوَّناتٍ شخصيةٍ ، لكنَّهم يتعاملونَ مع المُدَوَّناتِ كما يتعاملونَ مع المنتدى ، فلا يزورونَ إلا مُدَوَّناتِ بعضهم البعض ، ولا تزيدُ طبيعةُ الموضوعاتِ التي يكتبونها عن البرقيَّاتِ الاجتماعيةِ ، أو ما يُعرفُ بـ “التـَّاج” حيثُ الزَّهرةُ البريَّةُ تسألُ الفارسَ الأسودَ عن لونِه المُفَضَّلِ ، والفارسُ الأسودُ يكتبُ تدوينةً يسألُ فيها “حزينة على طول” عن أصعبِ موقفٍ مرَّت به ، الذي نكتشفُ حينما نقرأ تدوينتها أنه كان يومَ أن أجرَت عمليةَ اللوز ! لكن حتى هذه المجراتِ الصغيرة من المُدَوَّناتِ التي كانت ترتبطُ بشبكةٍ من الصداقاتِ البريئةِ والعلاقاتِ الاجتماعيةِ ، أخذَ بعضُها منحنىً اجتماعيًّا خارجَ الفضاءِ السيبريِّ ، حيثُ ظهرت تجمُّعاتُ المدونينَ الذينَ يقومونَ بزيارةِ مرضى السرطانِ ، أو ملجأً للأطفالِ الأيتامِ وغيرها من الأنشطةِ الخيريةِ ، ثمَّ يقومونَ برفعِ صورِهم ، وهم يمارسونَ تلكَ الأنشطة على مُدَوَّناتهم .

    ردحذف
  9. العَـصرُ الفيسـبُكِّيّ

    ” سافر التدوين بجيلنا أعواما للأمام صنع زعامات شابة – بعضهم فقط يستحق ـ وهدم العديد من المسلمات، وجاء الـ «فيس بوك» خطوة إضافية في المضمار نفسه، جمع قطع «بازل» المدونات في شبكة واحدة، أصبح التواصل أسرع والأفكار أكثر حرية وانطلاقا.. وكان الإضراب: إضرابا حقيقيا تلاه آخر «كده وكده» اندهشت الداخلية وتخبطت ودارت كاميرات الفضائيات، ووجدت الأقلام ما تملأ به الصحف، ولكن أبدا لم يشعر أحد بالمرارة التي نحملها في حلوقنا، بقسوة الفشل الذي لازمنا، وبمرارة التسليم بالهزيمة قبل انتهاء المباراة.. إضرابان انتهيا وكتبا معهما كلمة النهاية لجيل فشل في معارك مصيرية ترتبط بالغد، فشل في معركة التعديلات الدستورية في المادة «٧٦» في أزمة القضاة في قانون الإرهاب، ومعارك أخري كثيرة معارك تستمد أهميتها من ارتباطها بمستقبل هش وبقبضة حديدية تزداد صلابتها مع كل خسارة.
    نحن جيل خرج من ملعب الأحداث، ويستعد خلال الأيام المقبلة للجلوس علي مقاهي الفشل في وسط البلد، يقبض علي «لي» الشيشة بقوة ويشرب الشاي «أبونعناع» ويتحدث بكل «حكمة» عن شباب فشلوا لأنهم لم يصلوا إلي الـ «حكمة».. لم يصلوا إلي أنه ليس بالتدوين والـ «فيس بوك» وحدهما يصنع المستقبل”
    من مُدَوَّنة المواطن رجب27

    رغم إنَّ مواقعَ الشبكاتِ الاجتماعيةِ ظهرت على الإنترنت منذُ بدايةِ الألفيَّةِ ، ومنها موقعُ الفيسبوك إلاَّ أنَّ الأخيرَ زادت شَعبِيَّـتُه في مصرَ والدولِ العربيةِ معَ عامِ 2007.
    لعبَ الفيسبوك دورًا مهمًّا في تكوينِ شبكاتٍ اجتماعيةٍ صغيرةٍ تجمعُ ذوي الاهتماماتِ المشتركةِ ، وعلى رأسِها الشبابُ الذينَ يهتمونَ بما هو سياسيٌّ ، وما له علاقةٌ بالشَّأنِ العامِّ . وأثبتَ الفيس بوك فاعليةً أكبرَ من بقية تطبيقات الانترنت في تنظيمِ الفعالياتِ السياسيةِ ، كالمظاهراتِ والإضراباتِ والاعتصاماتِ ، وظهرَ هذا بقوَّةٍ في مطبِّ الهواءِ الذي يُعرَفُ أحيانًا باعتصامِ 6 أبريل.
    هذه الفاعليةُ والقوةُ التي ظهرت في الفيس بوك كانَ من الطبيعيِّ أن تستقطبَ مئاتِ وربما آلاف مستخدمي الإنترنت في مصرَ والبلدانِ العربيةِ ، خصوصًا وأنَّ استخدامَ الفيس بوك أسهلُ كثيرًا من إنشاءِ المدونةِ ، ولا يحتاجُ لكتابةٍ و ” لتّ وعَجن ” ، يكفي وضعُ مجموعةٍ من الصورِ والضغطُ على زر Join لإنشاءِ حملةٍ ما ، أو إثباتِ موقفٍ مُعارضٍ تجاهَ قضيةٍ ، قد تكونُ سياسيةً أو اجتماعيةً .
    ومعَ نهايةِ عامِ 2008 ظهرت مجموعةٌ من الآراءِ على المُدَوَّناتِ نفسِها حولَ موتِ التَّدوينِ أو التعاملِ معَه بصفتِه موضةً وانتهت28، وهو ما أثبتت الأيامُ أنه ليسَ بصحيحٍ ، فمازالت المُدَوَّناتُ موجودةً ، وكل يوم تظهرُ مُدَوَّنةٌ جديدةٌ أحدث مما قبلها ، كما أثبتت المُدَوَّناتُ القدرةَ على الاستفادةِ من الألعابِ وتطبيقاتِ الإنترنت الأخرى ، بدايةً من الفيس بوك الذي يستفيدُ منه البعضُ للدعايةِ لمدونتهِ ، وحتَّى موقع تويتر الذي يتعامل معه بعضُ المدونينَ كوسيلةٍ لكتابةِ ونشرِ تدويناتٍ قصيرةٍ وسريعةٍ . ويظهر التنسيق بين المُدَوَّناتِ وغيرها من تطبيقاتِ الإنترنت في الحملاتِ السياسيةِ والاجتماعيةِ ، وآخرُها حملةُ “إعادة هبة نجيب إلى مصر”29 والتي بدأت كحملةٍ على عددٍ من المُدَوَّناتِ ، منها مُدَوَّنة “ما بدا لي” لعمرو عزت ، ثم انتقلت إلى غيرِها من المُدَوَّناتِ ، ثم مجموعة على موقعِ الفيس بوك ، ثم وضع بانر للحملةِ على مجمعِ العمرانيةِ ، وأسطر متناثرة عن الحملةِ على موقعِ تويتر ، ورسائل بريدية بينَ عددٍ كبيرٍ من مُستخدمي الإنترنت . الأمر الذي حوَّل الحملةَ إلى وسيلةِ ضغطٍ شعبيةٍ فرضَت قضيةَ “هبة نجيب” على الإعلامِ والصَّحافةِ ، وكانت النتيجة حصول هبة على حقِّ العودةِ ، ووصولها إلى القاهرةِ . مما يُثبتُ أنَّ كثرةَ وسائلِ النشرِ والتعبيرِ وغيرِها من تطبيقاتِ الإنترنت لا تحاربُ بعضَها البعض ، بقدرِ ما تخدِمُ بعضَها البعض.
    * * *
    حاليـًا وصلَ عددُ المُدَوَّنات إلى 600 ألف ، وذلكَ حسبَ الدِّراسةِ التي أجرتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ونشرت في ديسمبر 2009،30 وحسبَ الدراسةِ ، فمصرُ تحتلُّ المركزَ الأولَ في عددِ المُدَوَّناتِ العربيةِ ، تليها المملكةُ العربيةُ السعوديةُ ، ثم الكويتُ ، ثم المُدَوَّناتُ العربيةُ التي تستخدمُ اللغةَ الإنجليزيةَ ، وتتنوع ما بينَ مُدَوَّناتٍ عراقيةٍ ، أو من جنسياتٍ عربيةٍ أخرى ، تليها المُدَوَّناتُ المغربيةُ التي تستخدمُ في الغالبِ اللغةَ الفرنسيةَ . وذلكَ كما يتَّضِحُ في الشكل التالي اللذي يقدم خريطةَ توزيعِ مجرَّةِ التدوينِ العربيةِ

    ردحذف
  10. في دائِـرَةِ الضَّوءِ

    من تحتِ الأرضِ إلى فوقِ الأرضِ .. والعكس

    “كان نايمان على نفسه أوي، مع انه كان نشيط وبيحب يتحرك كتير، ولكن ممكن السن أثّر عليه. المفروض يتقابلا، محاولة لاعادة الأيام الجميلة
    رأها، تَحَمس جداً، وبدأ يدب فيه النشاط، ولكن…هى لن تسطيع أن تمضي وقت طويل معه، يجب أن تذهب مبكراً، يعمل ايه، بعد ما دَب فيه النشاط والحيوية رجع تاني للخمول، طيب خلاص مش عارف أعملك ايه”31
    مُدَوَّنة السِّت نعامة

    بعدَ التغييرِ الوزاريِّ المصريِّ في يوليو 2004، صاغَ ثلاثمائة من المثقفينَ المصريينَ والشخصيَّاتِ العامَّةِ التي تمثِّلُ الطَّيفَ السياسيَّ المصريَّ بأكملِه وثيقةً تأسيسيَّةً ، تطالبُ بتغييرٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ في مصرَ ، و إنهاءِ الظُّلمِ الاقتصاديِّ والفسادِ في السِّـيَاسةِ الخارجيةِ والداخليةِ . كان هذا البيانُ هو النواة الأولى للحركةِ المصريَّةِ من أجلِ التغييرِ “كِـفاية” .
    لم تطرح “كِـفاية” رؤيةً متكاملةً للتغييرِ أو إصلاحِ الأوضاعِ ، كما أنها لم تركِّز نضالَها على قضايا جزئيةٍ لتحقيقِ انتصاراتٍ صغيرةٍ . بل كانت أشبهَ بصيحةِ اعتراضٍ مفتوحةٍ ، أو صرخةٍ بكلمةٍ واحدةٍ هى “كِـفاية” ، والبيانُ التأسيسيُّ الذي وقَّع عليه عددٌ كبيرٌ من الـنُّشطاءِ والُمثقَّفينَ والفنانينَ يكشِفُ بسهولةٍ أنَّ “كِـفاية” اختارت الإعلامَ كوسيلةٍ لتسليطِ الضَّوءِ على فعالياتِها وقضيَّـتِها … التي يعلمُ الله وحده هي كانت إيه !
    فلم يوضِّح البيانُ طبيعةَ الحركةِ أو هيكلَها التنظيميَّ ، أو على الأقلِّ طريقةً واضحةً لتحقيقِ أهدافِها ، فقط كانَ هناكَ البيانُ الذي تصدَّرَ عناوينَ المحطَّاتِ الإخباريةِ والصُّحُفِ العربيةِ ، تَـبِعَهُ بعدَ فترةٍ طويلةٍ عددٌ من المظاهراتِ الصغيرةِ التي كانت مُحاصَرَةً بحشودٍ من الأمنِ ، وكاميراتِ القنواتِ الفضائيةِ .
    لكنَّ الجانبَ الإيجابيَّ في ظهورِ “كِـفاية” كان رفعَ سقفِ الحريةِ ، من خلالِ طرحِ رؤىً تُطالِبُ للمرَّةِ الأولى بتغييرِ الرئيسِ ، وتطالِبُ بمحاسبةِ مسئولينَ ومُقَرَّبينَ من رأسِ السُّلطةِ ، لم تكن أسماؤهم حتى تـُذكَر بالنقدِ في أيِّ وسيلةٍ من وسائلِ الإعلامِ .
    على المُستوى التنظيميِّ ، أدَّى عدمُ وجودِ وثيقةٍ تنظيميةٍ إلى اعتمادِ “كِـفاية” على النِّظامِ الشبكيِّ المَرِنِ القائمِ على المبادرةِ الفرديةِ ، والعملِ في مجموعاتِ عملٍ صغيرةٍ . وقد أدَّى انتشارُ “كِـفاية” إلى ظهورِ حركاتٍ نوعيةٍ أخرى مثل ” شباب من أجل التغيير ” ، ” عُمَّال من أجل التغيير ” ، صحفيون من أجل التغيير ” ، ” طلاب من أجل التغيير” وغيرها من الحركاتِ النوعيةِ التي تزايدَ وجودُها في عام 2005 و 2006. كانَ من الطبيعيِّ أن تجتذبَ هذه الحركاتُ ، وعلى رأسِها “كِـفاية” الكثيرَ من المُدَوِّنينَ . على أساسِ أنَّ الصورةَ الأوسعَ للمُدَوِّنينَ هُم الشبابُ أصحابُ الاهتمامِ بالشَّأنِ العامِّ .
    انعكسَ خِطابُ “كِـفاية” الصاخبُ المُعارِضُ لمبارك في العديدِ من التَّدويناتِ التي ظهرت في 2005 و 2006 و يمكنُنا ملاحظة ذلكَ بوضوحٍ في بعضِ تدويناتِ علاء على مُدَوَّنةِ منال وعلاء. من ناحيةٍ أخرى دخولُ المدونينَ في تلكَ الحركاتِ السياسيةِ أظهرَ دورًا آخرَ للمُدَوَّناتِ ، وهو تنظيمُ المظاهراتِ والإعلاناتِ عن الفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ .

    ردحذف
  11. انعكسَ خِطابُ “كِـفاية” الصاخبُ المُعارِضُ لمبارك في العديدِ من التَّدويناتِ التي ظهرت في 2005 و 2006 و يمكنُنا ملاحظة ذلكَ بوضوحٍ في بعضِ تدويناتِ علاء على مُدَوَّنةِ منال وعلاء. من ناحيةٍ أخرى دخولُ المدونينَ في تلكَ الحركاتِ السياسيةِ أظهرَ دورًا آخرَ للمُدَوَّناتِ ، وهو تنظيمُ المظاهراتِ والإعلاناتِ عن الفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ .
    تطوَّرَ دَورُ المدونينَ من الإعلانِ عن الفعالياتِ السياسيةِ المُعارِضةِ والكتابةِ ضِدَّ النِّظَامِ الحَاكِمِ إلى تنظيمِ المُظاهراتِ والاعتصاماتِ بأنفسهم ، كما أدخل بعض المدونين – أبرزهم عمرو غربية- عددًا من الأنشطةِ ، وطرقِ التظاهُرِ التي لم تكن مُستخدَمةً قبلَ ذلكَ ( إطلاق البلالين/ الضرب على الطبول/ استخدام بعض الآلات الموسيقية)، ساهمَ هذا في إحداثِ نوعٍ من التغييرِ النوعيِّ في طبيعةِ العملِ السياسيِّ والتظاهُرِ في مصرَ -وإن كانَ هذا لم يصاحبهُ للأسفِ تغييرٌ في الكم- يبدو هذا التغييرُ النوعيُّ واضحًا في المظاهرةِ التي أعقبت قيامَ رجالِ الأمنِ بالتحرُّشِ بالصحفيَّاتِ والسيداتِ ، أثناءَ مظاهرتهنَّ ضِدَّ الاستفتاءِ . حيثُ دعت الحملةُ الشعبيةُ من أجلِ التغييرِ، ورابطةُ الأمهاتِ المصرياتِ ، وعددٌ من المُدَوِّنينَ منهم علاء ومنال، نورا يونس، عمرو غربية، وحزبُ الغد32 إلى مظاهرةٍ أمامَ مسجدِ السيدةِ زينب تحتَ شعارِ “لنكنس عليهم السيدة”33 وقد انتشرت الدعوةُ من خلالِ العديدِ من المدوناتِ التي روَّجت لها ، وكانت النتيجة خروج المظاهرةِ بشكلٍ مختلفٍ ، حيثُ ظهر الصندوقُ المربعُ الذي يحملُ رسالةً على كلِّ وجهٍ من أوجهه الأربعة . وحيثُ ظهرت على استيحاءٍ الآلاتُ الموسيقيةُ كأداةٍ للمشاركةِ في المظاهرةِ ، يمكنُ اجتذابُ الجمهورِ من خلالها.
    شهدت تلكَ الفترة أيضًا استخدامَ الإنترنت بشكلٍ مُوَسَّعٍ في تغطيةِ المظاهراتِ والفعالياتِ السياسيةِ المعارضةِ التي لم تكن هناكَ تغطيةٌ إعلاميةٌ كافيةٌ لها –هذا إن وُجِدَت أساسًا- في وسائلِ الإعلامِ التقليديةِ ، ولعبَ وائلُ عباس – وقد كانَ في بدايةِ نجوميتهِ – دورًا كبيرًا بكاميرته التي كانت بمثابةِ العينِ الراصدةِ لكلِّ المظاهراتِ والفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ 34، حتى إنه – وبعدَ فترةٍ – شعرَت فيها وسائلُ الإعلامِ ، وعلى رأسِها الصُّحفُ والجرائدُ المستقلةُ بالحـرَجِ من تجاهُلِ هذهِ المظاهراتِ ، حيث وجدت نفسَها مُضطرَّةً لنشرِ أخبارٍ كثيرةٍ عنها ، وفي حالةِ الاحتياجِ إلى صورةٍ فوتوغرافيةٍ ، كان يتم السَّطو على صورِ وائل عباس دونَ حتى الإشارةِ إلى اسمهِ أو احترامٍ لأيِّ حقِّ من حقوقِ الملكيةِ الفكريةِ .
    ويمكنُ رصدُ مساهماتِ المدوَّناتِ والمدوِّنينَ في الفيضانِ السياسيِّ في 2005 و 2006 من خلالِ رصدِ نقاطٍ عدة :
    1-الكتابة ونقد النظامِ الحاكمِ والمطالبة بتغييرها وطرحِ بدائل وتصوُّرات لما يمكنُ أن يكونَ عليه المستقبلُ في مصرَ .35
    2-تنظيم الاحتجاجاتِ السياسيةِ والمظاهراتِ المعارضةِ ، واستغلال المدوَّناتِ في الدعايةِ لتلكَ الفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ ، الأمر الذي ساهمَ بقدرٍ في توسيعِ قاعدتها بينَ الشبابِ وفي اجتذابِ العديدِ من النشطاءِ إلى تلكَ الكياناتِ المُعارِضَةِ .
    3- توثيق تلكَ الفعالياتِ السياسيةِ بالصوتِ والصورةِ والكلمةِ ، وتسليط الضوءِ الإعلاميِّ عليها ، الأمر الذي ساهمَ في خروجِ العملِ السياسيِّ المُعارِضِ من دائرةِ العملِ السرِّيِّ ، كاجتماعاتٍ مغلقةٍ في غرفٍ تمتلئ بدخانِ السجائرِ ، إلى نشاطٍ أكثرَ براجماتيةً ، مُعلَنٍ ، أوراقُه مكشوفةٌ للجميعِ ، وقادر على التواصُلِ معَ جميعِ المهتمينَ بالعملِ العامِّ .
    4-نقد حركاتِ المُعارَضَةِ في حالِ الاختلافِ عنها ، وعدم التعاملِ معها بصفتِها فوقَ المُساءَلةِ ، ويظهرُ هذا حينما كتبَ علاءُ تدوينتَه الشهيرة “رسالة مفتوحة إلى حركة كفاية” يتساءَلُ عن معنى مُطالبةِ حركةٍ نضالِـيَّةٍ مِصريةٍ بطردِ السفيرِ الدنماركيِّ ؛ ردًّا على ما اعتُبِرَ وقتَها رسومات مُسيئة للرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم -.36 بالإضافةِ إلى ما كتبه د. يحيى القزاز بعنوان “نهاية حركة كِفاية في جبل المقطم” ونشره عبد المنعم محمود على مدوَّنته “أنا إخوان”37

    ردحذف
  12. المُدَوِّنونَ في الانتخاباتِ

    “كانت أنباء قد أنتشرت بأن قوات الامن المركزي تمنع الناخبين من الدخول للجان خاصة الدوائر التي يوجد بها مرشحون للإخوان المسلمين و فعلا لقد رأيت بعيني طوقا أمنيا من طبقتين على باب إحدى اللجان منذ الساعة الثانية ظهرا و قد تم منع الناخبين من الدخول للإدلاء باصواتهم خاصة أنصار الإخوانووقف الإخوان او انصارهم ينشدون اناشيد دينية و يصرخون بعنف في الميكروفانات مهددين الأمن المركزي و جنودة حتى هدد و توعد أحد أعضاء الجماعة و هو يصرخ “إياكم و أولياء الله” مشيرا إلى أن الإخوان المسلمين أحفاد البنا هم أولياء الله في الأرض”
    من مُدَوَّنة واحدة مصرية38

    تخضعُ العملياتُ الانتخابيةُ في الدولِ العربيةِ للكثيرِ من التدخُّلاتِ الأمنيةِ ، ويظهرُ فيها – مثل أيِّ انتخاباتٍ – الكثيرُ من العواملِ ، و وسائلِ المساعدةِ ، ومنها وسيلةُ المساعدةِ الأشهرُ ، التي تستخدمُها الحكوماتُ العربيةُ ، وهي (التزوير) والذي تتعدَّدُ صورُه وأنواعُه ، بدايةً من منعِ المواطنينَ من دخولِ مراكزِ الاقتراعِ ، وحتَّى تبديلِ الصناديقِ ، أو إعلانِ نتائجَ مخالفةٍ للنتائجِ الحقيقيةِ .
    وفي مصرَ بعدَ سلسلةٍ طويلةٍ من الصراعاتِ الانتخابيةِ ، استقرَّ العُرفُ معَ عام 2005 على إشرافٍ قضائيٍّ على العمليةِ الانتخابيةِ ، و وجودٍ أمنيٍّ في مقارِّ الاقتراعِ ، وفي الوقتِ نفسِه سمحت الحكومةُ في بعضِ الحالاتِ لمنظماتٍ حقوقيَّـةٍ بمراقبةِ الانتخاباتِ ، لكن ما حدثَ في 2005 هو ظهور نوع جديد من المراقبةِ على يدِ المدوِّنينَ .
    فلم يكن من الممكنِ أن تغطي المنظماتُ الحقوقيةُ جميعَ لجانِ الاقتراعِ المصريةِ ، كما أنَّ الصحافةَ والإعلامَ يركِّزانِ – غالبًا – على سَيرِ الانتخاباتِ في العاصمةِ أو في المدنِ الكبيرةِ المجاورةِ لها. ولهذا تخضعُ مراكزُ الاقتراعِ في المحافظاتِ والقرى والنجوعِ – غالبًا – للكثيرِ من التجاوزاتِ الانتخابيةِ . وللتغلُّبِ على هذا النقصِ فتحت بعضُ المنظماتِ الحقوقيةِ البابَ لمن يرغبُ في التطوُّعِ في مراقبةِ الانتخاباتِ . وحيثُ إنَّ دورَ الرقيبِ يقتصرُ على مُشاهدةِ ما يحدثُ ثم كتابةِ تقريرٍ مُوثَّقٍ يسردُ فيه ما إذا كانت الانتخاباتُ قد سارت بشكلٍ طبيعيٍّ أم ظهرت تجاوزاتٌ ما ، فقد بدأ عددٌ من المدوِّنينَ بشكلٍ تلقائيٍّ في ممارسةِ هذا الدَّورِ ، والفرقُ بين مراقبةِ المدوِّنينَ والمنظَّماتِ الحقوقيةِ هو أنَّ تقاريرَ المنظَّماتِ تنتهي إلى أوراق مطولةٍ مكتوبةٍ بلغةٍ حياديةٍ باردةٍ تُقَدَّمُ إلى المنظماتِ الدوليةِ المهتمَّةِ بالشفافيةِ ونزاهةِ الانتخاباتِ ، بينما تقاريرُ المدوِّنينَ تُكتَبُ بلغةٍ أكثرَ سخونةً وتُنشَرُ على الإنترنت مُوثَّقةً في بعضِ الأحيانِ ببعضِ الصورِ أو تسجيلاتِ الفيديو.
    وكانت نتيجة مشاركةِ بعضِ المدوِّنينَ في المراقبةِ على الانتخاباتِ ، طوفانٌ كاملٌ من التدويناتِ التي توثِّقُ لعددٍ كبيرٍ من الانتهاكاتِ ، ارتُكِبَت في أكثر من لجنةٍ انتخابيةٍ ، وقد جاءت هذه التقاريرُ مختلفةً تمامًا عمَّا تمَّ اعتيادُه بشأنِ التغطياتِ الانتخابيةِ ، فهي لم تحاول إدعاءَ الحياديةِ والموضوعيةِ مثلَ التغطياتِ الصحفيةِ الباردةِ . ولم تأتِ تقريريَّةً وصفيَّةً مشبعةً بالأرقامِ والمصطلحاتِ القانونيةِ كما في تقاريرِ المنظماتِ الحقوقيةِ . بل كانت بمثابةِ قصصٍ شخصيةٍ حميميةٍ مشحونةٍ بالعاطفةِ ، وفي الوقتِ نفسِه تقدِّمُ محتوىً معرفيًّا أو معلوماتيًّا 39 ، فمع النَّصِّ سنجدُ الصورةَ الملتقطةَ خلسةً من كاميرا الموبيل ، ومن فوق سطحِ المنزلِ المُطلِّ على المقرِّ الانتخابيِّ ، الأمر الذي ساهمَ في أن تكونَ هذه التدويناتُ ذاتَ تأثيرٍ كبيرٍٍ في نفسِ القارئ .

    ردحذف
  13. فبينما يشعرُ القارئُ بالبرودِ والحياديةِ حينما يقرأ التغطيةَ الصحفيةَ أو التقريرَ الحقوقيَّ ، تختفي هذه الحياديةُ لصالحِ العاطفةِ الشخصيةِ والتفاصيلِ الحميميةِ التي يتوقفُ عندَها أو يسردها المُدوِّنُ ، مُستخدِمًا ضميرَ الأنا والمجازاتِ البلاغيةَ المختلفةَ ، وكلُّها أمورٌ تجعلُ القارئَ متورطًا بشكل تامٍّ في الأمرِ ؛ فهو لا يقرأ عن تزويرِ الانتخاباتِ في المنوفيةِ مثلاً ، بل يقرأ كلمةً كلمةً وسطرًا سطرًا كيفَ كانَ شكلُ المقرِّ الانتخابيِّ في المنوفيةِ ، وكيفَ اصطفَّ الضباطُ في الخارجِ ، وكيفَ حاولَ المدوِّن الدخولَ ، وما الذي قاله له الضابطُ وماذا كانَ ردُّه. فمِن هذه التفاصيلِ الصغيرةِ غيرِ الحياديةِ يكتسبُ الخطابُ التدوينيُّ تـَفرُّدَه ، وقـُوَّتـَه الحقيقيةَ التي تجعله مُغايرًا لأيِّ خطابٍ آخر .
    جهودُ المدوَّناتِ في تلكَ الفترةِ لم تقف عند مراقبةِ الانتخاباتِ وتوثيقِ الانتهاكاتِ بأسلوبٍ مؤثرٍ يجعلُ القارئَ يمصمص شفتيه ويقولُ “يا عيني يا حرام” بل كانَ طموح بعضِ المُدَوِّنينَ تقديم ما يُشبه التحليلَ السياسيَّ لما يحدثُ ، ومحاولة إلقاءِ الضوءِ على هذهِ الروحِ التي ظهرت في انتخاباتِ 2005 حيثُ المواطنون يتسلَّقونَ الأسوارَ للإدلاءِ بأصواتهم ، ويواجهونَ قواتِ الأمنِ ، و يتعرَّضونَ لإطلاقِ النارِ ، وكانَ من المُدهِشِ أنَّ التحليلاتِ الاجتماعيةَ والسياسيةَ التي قدَّمها المُدَوِّنونَ حولَ ما حدثَ في عامِ 2005 من أبرزِ التحليلاتِ التي استحوذت على اهتمامِ الكثيرينَ من المتابعينَ للشَّأنِ العامِّ ومنهم رموزٌ وشخصياتٌ عامةٌ ، وعلى رأسِهم هيكلُ الذي صرَّح في تلكَ الفترةِ باهتمامِه ومتابعتِه لمدوَّنة بهيَّة40 وهو ما مثَّل دفعةً قويةً للمدوَّناتِ المصريةِ على المُستوى الإعلاميِّ .
    ما حدثَ في 2005 تكرَّرَ بعدَ ذلكَ ، وإنْ كانَ بشكلٍ أقلّ في انتخاباتِ مجلسِ الشُّورى ، لكنَّ الأهمَّ أنه انتقلَ من مصرَ إلى غيرِها من الدولِ العربيةِ ، ففي عام 2008 لعبَ المدوِّنون الكويتيونَ دورًا مُشابهًا للدورِ الذي لعبه المدوِّنونَ المصريونَ ، وإنْ كانت المعركةُ في الكويت أقلَّ عُنفًا من حيثُ الانتهاكاتِ الأمنيةِ ، وأكثرَ جدلاً من ناحيةِ أنها شهدَت وجودًا مُكثَّفًا للسَّيِّداتِ للمرَّة الأولى في الانتخاباتِ41. وتطوَّرت تلكَ الاستراتيجية معَ 2009 ، حيثُ استعدَّ المدوِّنونَ المغاربةُ42 للانتخاباتِ المغربيةِ بتنظيمِ حملةٍ قويةٍ بعنوانِ ” ضِدَّ الفسادِ الانتخابيِّ ” سعوا فيها إلى الكشفِ عن أيِّ مَوْطِنٍ من مَواطِنِ الفسادِ الانتخابيِّ ، بدايةً من التزويرِ أو التلاعُبِ في القوائمِ الانتخابيةِ ، وحتَّى محاولاتِ بعضِ المُرَشَّحينَ استمالةَ الجمهورِ بطرقٍ غيرِ شرعيَّةٍ ، و انتهاءًا برصدِ أيِّ انتهاكاتٍ قد تحدُثُ يومَ الانتخاباتِ نفسه.

    مِـنَ الشَّارِعِ إلـى المُعتَـقـَلِ

    “من الظلم أنك تنزل الشارع في اعتصام أو مظاهرة من غير أهلك ما يعرفوا أو يفهموا، لو عارفين وفاهمين حتى لو مش قابلين هتلاقيهم وراك بيحموك يوم ما تتحبس أو تتعذب لكن لو مفاجئة غير متوقعة خالص ولا مفهومة يبقى طبيعي يكون رد فعل سلبي جداً. لكن عشان نفهم ده لازم نكون واقعيين وبعدين لما نبطل رومانسية نفهم ان الصمود جزء منه ان يكون عندك معلومات .. عارف تعمل أيه وادينا بنتعلم.

    ردحذف
  14. رومانسيتنا دي بعتتني وبهدلتنى أول يومين. سقراط مستغربة ان معنوياتنا كانت كويسة يوم النيابة. طبعاً كانت كويسة هو مش احنا قعدنا نقول تلاقيهم جوه مبسوطين؟ تلاقى مالك بينشر البهجة؟ أنا قضيت اليوم ده كله مطمئن لأنى رايح للمجموعة ولأننا عزوة وهقابل أصحابى وهبقى مع مناضلين زي كمال خليل.. يعني في الأمان.
    طلعت حمار. طلع السجن متكدر والوضع بهدلة والمجموعة متفرقة وطلع مالك ميتين أبونا بدل ما ينشر البهج”

    من مُدَوَّنة علاء ومنال43

    المشاركةُ في جبهاتٍ وتنظيماتٍ مُعارِضَةٍ لا تتورَّعُ عن العملِ بشكلٍ علنيٍّ ، تنزلُ الشارعَ وتنظمُ المظاهراتِ وتوزِّعُ البياناتِ ، رصدُ انتهاكاتِ الانتخاباتِ بالصورةِ والكلمةِ ، ولَفْتُ نظرِ الرأي العامِّ إلي حقيقةِ ما يجري داخلَ مصرَ ، مهاجمةُ رموزِ النظامِ ، وتجاوزُ كلِّ الخطوطِ الحمراءِ عندَ الكتابةِ . كلُّها أمورٌ مارسها المدوِّنونَ ، وكانَ من الطبيعيِّ أن تزعجَ الحكومةَ ، خصوصًا مسألة تنظيمِ المُظاهراتِ والاعتصاماتِ والنزول إلى الشارع ، وهو الأمر الذي -كما نعرفُ – يُسَـبِّبُ تعطيلَ المرور ! 44
    وفي العامِ 2005 معَ اشتعالِ نشاطِ المدوِّنينَ في تنظيمِ المُظاهراتِ والاعتصاماتِ المختلفةِ ، بدأت تحرُّشاتُ الحكومةِ في الجانبِ الآخر تتزايدُ ، وللصدقِ فلا نظنُّ أنَّ التحرُّشاتِ التي تعرَّضَ لها المدوِّنونَ في تلكَ الفترةِ 45 كانت نتيجةً لنشاطِهم على الشبكةِ ، بل نتيجةً لنشاطِهم في الشارعِ ، فقد كَسَرَ المدوِّنونَ قدسِيَّـةً ، أصبحَ من الممكنِ في أيِّ قضيةٍ الدعوةُ إلى مُظاهرةٍ أو وقفةٍ احتجاجيةٍ ، والنزول إلي الشارع ، وفي الشارعِ كانَ لابدَّ أن تردَّ قواتُ الأمنِ بتحجيمِ المُظاهراتِ ، ثمَّ التـَّعدِّي على المتظاهرينَ ، تصويرهم ، معرفة أسمائهم ، وفي بعضِ الحالاتِ اعتقالهم ، وهو ما حدثَ بالفعلِ وكانت النتيجة إلقاء القبضِ أكثرَ من مرَّةٍ على عددٍ من المدوِّنينَ ، لكن في كلِّ مرَّةٍ كانت عمليةُ الاحتجازِ لا تدومُ أكثرَ من بضعِ ساعاتٍ ، فالهدفُ في النهايةِ غالبًا كان تشتيتَ المتظاهرينَ ، ونادرًا ما كانت تـُوَجَّه اتهاماتٌ محددةٌ لهم ، حتى كانت أزمة نادي القضاةِ في العام 2006 بدايةً لأزمةٍ كانت بعد انتهاءِ الانتخاباتِ التشريعيةِ ، حينما أعلنَ عددٌ من القُضاةِ أنَّ الانتخاباتِ لم تكن نزيهةً ، وأصدرَ نادي القضاةِ تقريرًا رَصَدَ فيه الانتهاكاتِ التي جرت خلالَ الانتخاباتِ التشريعيةِ ، وترافقَ هذا معَ تزايدِ الخلافاتِ حولَ قانونِ استقلالِ السلطةِ القضائيةِ ، وفي منتصفِ هذهِ المناوشاتِ أصدرَ وزيرُ العدلِ في ذلكَ الوقتِ (أبو الليل) قرارًا بإحالةِ المستشارَيـْن هشام البسطويسي ومحمود مكي إلى مجلسِ الصلاحيةِ ، الأمر الذي فجَّرَ الصراعَ بينَ القضاءِ والسلطةِ التنفيذيةِ ، وقرَّرَ القضاةُ الاعتصامَ في ناديهم ، ودعت حركةُ كِفاية ومعها عددٌ من التنظيماتِ المعارضةِ إلى التضامُنِ معَ القُضاةِ في اعتصامِهم ، وهكذا تحرَّكَ عشراتُ المدوِّنينَ للتضامُنِ معَ القُضاةِ ، سواءٌ من خلالِ التظاهُرِ و توزيعِ المقالاتِ التي تشرحُ وتحللُ الأزمةَ على المارَّةِ ، وحتى الاعتصامِ بشارعِ عبدِ الخالقِ ثروت في مقابل نادي القضاة.
    وحيث إنَّ الحكومةَ لم ترغب – على ما يبدو – في تصعيدِ الأزمةِ ، فقد قرَّرت في أبريل 2006 اعتقالَ المتظاهرينَ والمعتصمينَ المتضامنينَ معَ القُضاةِ ، لكن للأسف لم يساهم هذا القرارُ في تخفيفِ الضوءِ الإعلاميِّ عن أزمةِ القُضاةِ ، بل زادَ من تسليطِ الضوءِ لأنَّ الحكومةَ والسلطةَ التنفيذيةَ لم تنتبه إلى أنَّ من قامت باعتقالِهم كانوا من المدوِّنينَ المصريينَ ، بل في أثناءِ هذهِ “الهوجة” اعتـُقِلَ علاء سيف أحدُ نجومِ التدوينِ في ذلكَ الوقتِ ، إلى جانبِ عددٍ من النُّشَطاءِ والمدوِّنينَ الآخرين .

    ردحذف
  15. نتيجة اعتقالِ المدوِّنينَ كان قيام عاصفةٍ إعلاميَّةٍ ضخمةٍ بدأت من الإنترنت ، و وصلت لجميعِ وسائلِ الإعلامِ العالميةِ ، وظهرت تقنياتٌ ووسائلُ جديدةٌ يمكن استخدامُها في تسليطِ الضوءِ على قضايا المعتقلينَ ، بدايةً من استخدامِ “قنبلة جوجل”46 وحتى إرسال إيميلات تـُطالِبُ بالإفراجِ عن المدوِّنينَ المعتقلينَ إلى سُفرَاءِ مِصرَ في الدولِ الأجنبيةِ ، وإلى مواقعِ الهيئاتِ الحكوميةِ المصريةِ .
    لا يمكننا بالطبعِ المبالغةُ والقولُ بأنَّ الضغطَ الإعلاميَّ الذي استطاعَ المدوِّنونَ ممارستَه للمُطالَبَةِ بالإفراجِ عن زملائهم قد أدَّى للإفراجِ عن المعتقلينَ ، لكنه بالتأكيدِ مثَّلَ جزءًا من الضُّغُوطِ الإعلاميةِ والحقوقيةِ على الحكومةِ المصريةِ ، التي تعلَّمت بعدَ ذلكَ أنَّ اعتقالَ أيِّ مُدَوِّنٍ – حتى ولو لم يكن بسبب نشاطه على الإنترنت – سوف يُسَـبِّبُ الكثيرَ من الضَّجَّةِ والضَّجيجِ السلبيِّ الذي بالتأكيدِ لا يرغبُ فيه أيُّ شخصِ في النظامِ المصريِّ .
    كان السلاحُ الإعلاميُّ هو السلاح الوحيد الذي يمتلكه المدوِّنونَ في مُقابلِ سُلطةِ الاعتقالِ والحجزِ التي تمارسها الأنظمةُ العربيةُ كحقٍّ مشروعٍ ، وقد انتقلَ هذا الأمرُ من مصرَ إلى غيرِها من البُلدانِ العربيةِ ، ويظهرُ هذا بقوَّةٍ إذا تأمَّلنا حالةَ اعتقالِ المدوِّنِ السعوديِّ فؤاد الفرحان47، حيث طوَّر المدوِّنونَ من وسائلِهم ومن قدرتهم على استخدامِ الإنترنت للدعايةِ وإطلاقِ حملاتٍ إعلاميةٍ تُدافعُ عن قضاياهم ، ويظهرُ هذا من خلالِ استخدامِ “الفيس بوك” والعرائض والبياناتِ الجماعيَّةِ المُوَقَّعَةِ ، وتصميمِ ونشرِ الأزرارِ و”اللافتات البانرات/ Banners” الدعائيةِ المُطالِبَةِ بالإفراجِ عن الفرحان .

    -جانبٌ من البانراتِ/ اللافتات الدعائيةِ التي صمَّمها أحمد غريبة ، للمُطالَبةِ بالإفراجِ عن المدوِّنينَ المعتقلينَ .

    الإخوانُ في الملعبِ

    “الحياة قطار.يسير بنا في محطات مختلفه. محطات نفارق نفارق فيها احباب. واخرى نلاقي فيها اصحاب. ومن اهم محطات حياتي تلك الإجازة الإجبارية بمعتقل وادي النطرون. والتي رسخت في ذهني مفهوم قديم بنيته عن جماعة الاخوان المسلمين. وهو ان هذة الجماعه يتراص فيها العظماء والمفكرون والمبدعون.والذين لو كانوا في غيرها من الجماعات او الاحزاب لأشار الناس اليهم بالبنان وسلطت عليهم الاضواء.”

    من مُدَوَّنةِ استراحة مجاهد48

    ردحذف
  16. الطَّيفُ الذي تشكَّلَ منه مشهدُ التدوينِ في بدايتهِ رغمَ غَلَبةِ الاهتمامِ بالشَّأنِ العامِّ عليهِ ، إلا أنـَّه احتوى داخلَه على مجموعةٍ من التناقُضاتِ والاختلافاتِ في وِجهاتِ النَّظرِ بين المُدَوِّنينَ وبعضهم البعض ، يبدو هذا واضحًا في النِّقاشاتِ التي تدورُ في التَّعلقاتِ على المُدَوَّناتِ ، أو إذا قارنَّا مثلاً بينَ مُدَوَّنةٍ مثل “طرقعة كيبورد”49 في بدايتها و مُدَوَّنةِ “مالك مصطفي”50 لكنَّ ما يجمعُ هذا الطَّيفَ التدوينيَّ في بدايته أنَّ أيـًّا من المُدَوِّنينَ لم يكن محسوبًا أو مُتَحَدِّثـًا رسميًّا بأيِّ تجمُّعٍ أو تنظيمٍ أو حركةٍ سياسيةٍ في البدايةِ ، حتى ظهرَ عبد المنعم محمود الذي وضعَ عنوانًا واضحًا لمُدَوَّنته لا يحتملُ اللبسَ ” أنا إخوان ” 51.
    تبعَ ظهورَ مُدَوَّنةِ عبد المنعم ظهورُ مُدَوَّناتٍ أخرى ، قدَّمَ أصحابُها أنفسَهم بصفتِهم منتمينَ إلى الإخوانِ المُسلمينَ ، وإن كانَ أيٌّ منهم لم يميِّز بوضوحٍ ، هل هذا الانتماءُ على المُستوى الفِكريِّ فقط أم على المستوى الفكريِّ والتنظيميِّ أيضًا ، ومعَ نهايةِ عامِ 2006 أصبحَ هناكَ ما يمكنُ اعتبارُه بكتلةِ مُدَوَّناتِ الإخوانِ على الإنترنت ، وكَـتنظيمٍ فكريٍّ ذي طموحٍ سياسيٍّ استغلَّ الإخوانُ المُدَوَّناتِ لنشرِ أفكارِهم ، وشَـرْحِ وجهةِ نظرِهم ، وساهمَ هذا الوجودُ في خلقِ نوعٍ من الجدلِ ، يمكنُنا تعقُّبُ آثارِه في التعليقاتِ والنقاشاتِ التي دارت بين عددٍ من شبابِ الإخوانِ المُدَوِّنينَ وغيرهم من المُدَوِّنينَ . لكنَّ أهميةَ المُدَوَّناتِ بالنسبةِ للإخوانِ تبدَّت معَ عامِ 2007 من خلالِ حَمَلاتِ التَّضامُنِ التي أطلقتها تلكَ ال مُدَوَّناتِ للتضامنِ معَ أعضاءِ التنظيمِ المعتقلينَ .
    فَبِشَكلٍ شِـبه مُنَظَّمٍ أطلقَ شبابُ الإخوانِ مجموعةً من المُدَوَّناتِ52 تـُدافِعُ عن الأربعينَ عُضوًا وعلى رأسِهم خيرت الشَّاطر ، الذينَ تمَّ اعتقالُهم وعرضُهم على المحكمةِ العسكريةِ في تعدٍّ صارخٍ على حقوقِهم المدنيَّةِ ، وعملَ عددٌ من المُدَوِّنينَ الإخوانِ –خُصوصًا هؤلاءِ المرتبطينَ بصلةِ قرابةٍ معَ المعتقلينَ – كمُراسلينَ من مزرعةِ طُرَة – مقرّ السجن – لفضحِ ما يجري لآبائهم وإخوانهم وأعمامهم من ظلم .53
    نجحت حملةُ مُدَوَّناتِ الإخوانِ في تسليطِ الضوءِ على قضيةِ المُحالينَ للمحكمةِ العسكريةِ ، بل ونجحوا في اجتذابِ تأييدِ الكثير من وسائلِ الإعلامِ الغربيةِ ، والأكاديميينَ الغربيينَ ، وساهمت مُدَوَّناتُ شبابِ الإخوانِ في فتحِ قنواتٍ للحوارِ ، لا بينَهم وبينَ الشبابِ من تيَّاراتٍ أخرى مختلفة بل وحتى بينَ شبابٍ آخرينَ من دولٍ غربيةٍ ، ويظهرُ ذلكَ بوضوحٍ إذا راجعنا مقالاتِ الأكاديميِّ مارك لنش على مدوَّنته ” أبو خنزير الأرض ” 54 ودفاعه المُستميت عن قضيةِ المُحالينَ للمحكمةِ العسكريةِ . الأمر الذي أدَّى إلى تصويرِ الإخوانِ – في مقالاتِ لنش وعددٍ من الأكاديميينَ الغربيينَ والمُراسلينَ الأجانبِ – و كأنهم فرسانُ الحريةِ الذينَ يـُعوَّلُ عليهم في نقلِ مصرَ إلى فضاءِ الحريةِ و الديمقراطيةِ .
    لكنَّ المُدَوَّناتِ “زي المطواة السوستة” يمكنُ استخدامُها في تهويشِ المُخالِفينَ لكَ ، ويمكنُ أحيانًا أن تجرحَ يدَكَ ، و لذلك فعلى الجانبِ الآخر قد تسبَّبت المُدَوَّناتُ في حالةٍ من البلبلةِ داخلَ صُفوفِ الجماعةِ . فبعدَ الانتباهِ لدورِ المُدَوَّناتِ والإنترنت في ربطِ أعضاءِ الجماعةِ متراميةِ الأطرافِ ، تمَّ تأسيسُ عدٍد من المواقعِ بصفتِها المواقع الرسمية للجماعةِ ، وعلى رأسِها موقعُ “إخوان أون لاين”55 و “إخوان الشرقية” 56 ولتحديثِ هذهِ المواقعِ اِستُعينَ بعددٍ من مُدَوِّني الإخوانِ الذينَ برزت أسماؤهم. ونتيجةً لبعضِ الخلافاتِ الطبيعيةِ بينَ جيلِ الشبابِ وجيلِ الكبارِ ، بالإضافةِ إلى احتدامِ الجدلِ حولَ التصوُّراتِ الأوليةِ لبرنامجِ الإخوانِ الذي تمَّ طرحُه في نهايةِ عام 2007 ، قامَ عددٌ من المُدَوِّنينَ بإنشاءِ موقعِ “إخوان أوف لاين”57 وعلى الفورِ تلقَّت الجرائدُ والصحفُ المصريةُ – خصوصًا ذاتَ التوجُّهِ المُعارِضِ للإخوانِ كجريدةِ روز اليوسف – الخبرَ كانشقاقٍ من قِبَلِ الشبابِ عن جماعةِ الإخوانِ المسلمينَ .

    ردحذف
  17. لكنَّ نفسَ المجموعةِ التي قامت بإنشاءِ هذا الموقع ، التقى أحدُ أفرادِها بخيرت الشاطر أثناءَ إحدى جلساتِ مُحاكمتِه العسكريةِ ، وقامت المجموعةُ بتوضيحِ بعضِ النقاطِ الخلافيةِ ، كما تمَّ غلقُ الموقعِ ، ونشرت تلكَ المجموعة التي عرفت نفسَها بصفتِها “المجموعة الثلاثية” ومن ضِمنهم محمد عادل صاحبُ مُدَوَّنةِ “ميت” بيانًا 58 أكَّدت فيه
    ” إنها لا تنوي عمل موقع موازي للموقع الرسمي لجماعه الإخوان المسلمين المعروف بإسم ” إخوان أون لاين “، أو شيئ من هذا القبيل ، ولا توجد أي نيه لعمل مواقع موازيه سواء كانت توجد إمكانيات مادية وإعلامية أو لا .
    كما تؤكد المجموعه إنها تقف في صف جماعه الإخوان المسلمين حتي تمتلك مؤسسه إعلامية قوية وفعاله تعبر عن جماعه الإخوان المسلمين وتوضح قوتها وأنشطتها في مصر وفي العالم أجمع”

    لكنَّ البيانَ رغمَ ذلكَ لم يوضِّح السببَ الأساسيَّ الذي قادَ “المجموعة الثلاثية” نحوَ تأسيسِ هذا الموقعِ ، ومن المُلاحَظِ أيضًا بعدَ تلكَ الأزمةِ خُفوتُ حِدَّةِ الانتقاداتِ التي يوجِّهُها شبابُ الإخوانِ على مُدَوَّناتهم للجماعةِ وطريقةِ تنظيمِها داخليـًّا . بل إنَّ بعضَ مُدَوِّني الإخوانِ قلَّ نشاطُهم التدوينيُّ خصوصًا بعدَ انتهاءِ أزمةِ المُحالينَ للمحكمةِ العسكريةِ ، كأنما انكمشت الفقاعةُ التي ظهرت في 2007 و2008 لتأخذَ حيِّزَها العاديَّ ، وتصبح مُدَوَّناتُ الإخوانِ مثلها مثل بقيةِ المُدَوَّناتِ ذاتَ الطَّابعِ السياسيِّ، كمُدَوَّنةِ “طُلاب اشتراكيون” مثلاً.59 مجرَّد مِنبر دِعائي لجماعةٍ سياسيةٍ معينةٍ ، دونَ وجودِ أيِّ ذاتيةٍ أو تفرُّدٍ أو اختلافٍ . الأمر الذي يجعلنا – رغمَ اعتمادِ هذهِ المُدَوَّناتِ على الأشكالِ التقنيةِ المعتادةِ للتدوينِ – نُصَـنِّفها كمواقع دعائيةٍ صغيرةٍ .
    التـَّعذيبُ استعادةُ الحقِّ الضَّائعِ

    “احنا عايزين إيه بقى؟
    ..
    عايزين القصاص!!!ـ
    ..
    عايزين شرف عماد وشرف مصر اللي اغتصبوه ما يروحش هدر!”
    من مُدَوَّنةِ كِفاية حرام60

    ردحذف
  18. في أبريل 2006 شاركَ وائلُ عباس – الذي كانَ نجمُه في بدايةِ ظهورِه – في تظاهرةٍ تضامُنيةٍ نظَّمها مركزُ الدراساتِ الاشتراكينَ وعددٌ من النُّشطاءِ السِّياسيينَ للتضامُنِ معَ سُكَّانِ البدروماتِ من أهالي إمبابة . كانَ وائلُ عباس شخصيةً مألوفةً لعددٍ من هؤلاءِ النشطاءِ السياسيينَ ، ومنهم خالدُ عبد الحميد الذي مالَ على وائل أثناءَ التظاهرةِ وقالَ له “في ناس معاهم حاجة عايزين يوروها لك” أخذَه عبدُ الحميد على جنب وعرَّفه على اثنينِ من مُواطني إمبابة ، عرضوا عليه فيديو قصيرًا يقومُ فيه أحدُ ضباطِ الشرطةِ بالاعتداءِ على أحدِ مواطني إمبابة61. قامَ وائلُ بأخذِ الفيديو القصيرِ نسبيًّا من المواطنينَ من خلالِ “البلوتوث”62 ثمَّ قامَ وائلُ بعدَ ذلكَ برفعِ الفيديوهاتِ . وكانَ هذا أولَ فيديو تعذيب يتمُّ نشرُه على الإنترنت ، حيثُ يظهرُ أحدُ المواطنينَ ويتمُّ ضربُه على قفاه ، وعُرِفَ هذا الفيديو بفيديو “القفا”.
    بعدَها التقى وائلُ عباس بمحمد خالد صاحب مدوَّنة “دماغ ماك”63 الذي أخبره أنَّ لديه فيديو آخر يرغبُ في نشرِه ، فشجَّعه وائلُ على إنشاء مدوَّنته الخاصة ، وهو بالفعل ما قامَ به ماك ، ونشرَ في نوفمبر 2006 الفيديو الذي كانَ أوضحَ وأطولَ من التسجيلاتِ السابقةِ ، ويظهرُ خلالَه أحدُ المواطنينَ وهو يتعرضُ لعمليةِ انتهاكٍ جنسيٍّ من قِبَلِ أحدِ رجالِ الأمنِ . كانت المدوَّناتُ هي الوسيلة الإعلامية الأكثر شجاعةً ، لا في نشرِ هذهِ الفيديوهاتِ فحسب ، بل أيضًا في التعليقِ عليها وتقديمها. ففي حين كان مصيرُ تقاريرِ منظماتِ حقوقِ الإنسانِ عن التعذيبِ وغيرِها من وقائع التعذيبِ نشر أخبارٍ صغيرةٍ جانبيةٍ في جرائدِ المعارضةِ ، مكتوبة بصيغةٍ حياديةٍ على طريقةِ “اتهمت بعضُ المنظماتِ الحقوقيةِ أجهزةَ الأمن بكذا كذا…” كانت المدوَّناتُ تقدِّم الخبرَ ومثل هذه الأحداثِ ساخنةً ، ممتلئةً بالعاطفةِ التي تظهرُ في هيئةِ لغةٍ عنيفةٍ لا تتورَّعُ عن سبِّ رجالِ الأمنِ أو التطاولِ عليهم.
    وربما يعودُ السببُ في ذلكَ لتورُّطِ بعضِ المدوِّنينَ أحياناً بشكلٍ شخصيٍّ وتعرُّضهم للتعذيبِ ، سواءٌ من خلالِ الاحتكاكِ غيرِ المباشرِ معَ رجالِ الأمنِ في المظاهراتِ والفعالياتِ السياسيةِ المختلفةِ ، أو بشكلِ مباشرٍ كحالةِ محمد الشرقاوي الذي – على حسبِ روايته ودونَ وجودِ أيِّ دليل أو شهود آخرين – تعرَّضَ لعمليةِ اختطافٍ من قِبَلِ بعضِ رجالِ الأمنِ الذينَ قاموا بالاعتداءِ عليه جنسيًّا بشكلٍ مُهين .
    ساهمت كلُّ هذهِ التفاصيل بالإضافةِ إلى حماسةِ المدوِّنينَ الشباب في تقديمِ حالاتِ التعذيبِ بأسلوبِ جديدٍ ومختلفٍ نجحَ في لفتِ الانتباهِ ، وإثارةِ اهتمامِ القراءِ بشكلٍ إيجابيٍّ . ففيديو مثل فيديو الضرب على القفا مثلاً حينما تم نشرُه أولَ مرةٍ كانت معظم تعليقاتِ المشاهدينَ عليه تتعاملُ معه باعتباره مقطعًا كوميديًّا ، وكان هناك أكثر من نسخة للفيديو على موقع “يوتيوب” عنوانها من نوع “مقطع كوميدي لمصري ينضرب على القفا” لكن تقديم المدونينَ لهذا الفيديو في سياق وشكل مختلف ساهم في تغيير وجهة النظر تلك ، وبدأ الرأي العام في الاهتمام بالقضية ومعه الإعلام التقليدي والصحافة المصرية ، تحديدًا جريدة الفجر والصحفيان كمال مراد و وائل عبد الفتاح ، ، ومن خلاله كان على اتصال بشكل ما بعالم المدونينَ . ومن مكانه في جريدة الفجر قرر تبني قضيةَ فيديوهات التعذيب ، ونشر صورة الضحية طالبًا منه الكشفَ عن هويته لاتخاذِ الإجراءاتِ القانونية ضدَّ الضابطِ الذي قام بتعذيبه، وتدخَّلَ في القضية الحقوقيُّ والمحامي ناصر أمين الذي قام برفع قضية ضد إسلام نبيه ضابط الشرطة الذي ارتكب واقعةَ التعذيب، وبالفعل وصلت القضية إلى المحكمة واستحوذت على اهتمام كبير من الرأي العام ، حيث كانت القضية الأولى من نوعها التي تحصلُ على هذا القدر من الاهتمام الإعلامي ، وفي النهاية قضت محكمة جنايات القاهرة بسجن إسلام نبيه ضابط الشرطة ومعه رضا فتحي أمين شرطة بالسجن لمدة ثلاث سنوات ، في حين حُكِمَ على عماد – ضحية عملية التعذيب- بالسجن لمدة ثلاثة أشهر نظرًا لمقاومته السلطات أثناءَ محاولة القبض عليه في قضية تموين في يناير 2006.64

    ردحذف
  19. تعامل الجميع مع حكم المحكمة كأنه انتصار للعدالة وعودة للحق المسلوب ، ودونَ الدخول في نقاش وجدل ، فقد ساهمت هذه القضية في تشجيع الكثير من ضحايا التعذيب الخائفين من الإفصاح عن هوياتهم أو المطالبة بحقهم على الظهور ورفع قضايا ضد الضباط الذين قاموا بتعذيبهم ، فحاجز الخوف من الشرطة وجهاز أمن الدولة كان قد تم كسره وتهشم أمام النظرة الذاهلة في أعين إسلام نبيه ضابط الشرطة وهو داخل القفص ، وضحكة عماد خارج القفص.
    * * *
    كشفت حادثة عماد الكبير وغيرها من قضايا التعذيب عن هشاشة هذا الخلاف الذي يحاول البعض اختلاقه بين المدوَّنات والإعلام الجديد ، والإعلام التقليدي ، فقد أثبتت حادثة عماد الكبير حتمية التعاون بين الاثنين ، فعماد الكبير ذو التعليم المتوسط والعلاقة الضعيفة بالإنترنت لم يكن من السهل أن يعرف عن وجود حملة تضامنية معه على الإنترنت ، لكن كان من السهل أن يرى صورته تتصدر غلاف جريدة الفجر على الرصيف بجوار موقف الميكروباصات ، وعملية تعبئة الرأي العام ضد إسلام نبيه ، ولدعم عماد الكبير لم تكن لتتم بغير ذلك التحالف غير المعلن والاتفاق بين وسائل الإعلام المستقلة ، من صحافة إلى برامج حوارية – على رأسها بالطبع العاشرة مساءً – على دعم موقف عماد الكبير.
    وإلى جانب الصحافة التي نجحت في الوصول إلى عماد الكبير وتعبئة الرأي العام معه ، فلم يكن من الممكن أن تأخذ القضية شكلها القانوني بدون دعم المنظمات الحقوقية ، لذلك فقد أكدت قضية عماد الكبير على حتمية التعاون بين الأطراف الثلاثة ( المدوَّنات- الصحافة والإعلام التقليدي- المنظمات الحقوقية) خصوصًا في القضايا ذاتَ الطابعِ العام وعلى رأسها قضية التعذيب.
    * * *
    بقي أن نشير إلى واحدة من المدوَّنات المهمة المعنية بتوثيق وقائع تعذيب وانتهاك الحقوق الإنسانية في مصر ، وهي مدوَّنة ” التعذيب في مصر” التي بدأتها نهى في 2006 كمدوَّنة بسيطة على موقع “بلوج سبوت” ، لكن المدوَّنة التي كانت الأولى من نوعها لفتت نظر العديد من النشطاء والمدوِّنين ، لذلك فقد تدخل علاء سيف وتعرَّف على نهى وعرض عليها نقلَ المدوَّنة من “بلوج سبوت” حيث الخصوصية وشروط الأمان الإلكتروني أقل إلى موقع وسايت خاص ، ومن خلال تعاون علاء مع مدوِّن آخر هو عمرو غربية تم إعداد المدوَّنة بشكلها النهائي بتصميم لمدوَّنة أخرى في بنت مصرية65، لتنطلق مدوَّنة التعذيب66 بالتعاون مع مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب وبإستضافة موقع مدونات كاتب التابع للشبكة العربية.

    ردحذف
  20. انتصاراتٌ صغيرةٌ

    مرَّت عواصفُ الاستفتاءاتِ والانتخاباتِ رئاسيةً وبرلمانيةً بسلام ، وخيَّمَ الهدوءُ على المدوَّناتِ ، وبدا واضحًا أنَّ حلمَ التغييرِ الشاملِ والجذريِّ أمرٌ بعيدُ المنالِ ، لكنَّ الدفعةَ التي أطلقتها التعديلاتُ الدستوريةُ وحرية الصحافةِ وظهور المدوَّناتِ والإعلام البديل ، لم يكن من الممكن أن تختفي. ولهذا فبدلاً من القضايا الكبيرةِ والمطالبةِ بالتغييرِ السياسيِّ الكاملِ والحلمِ بتحقيقِ الديمقراطيةِ تركَّزَ العملُ والنضالُ على قضايا صغيرة بهدفِ تحسينِ شروطِ الحياةِ على الأقلِّ داخلَ المجتمعِ المصريِّ . يظهرُ هذا في الفصلِ السابقِ في قضيةِ التعذيبِ ودورِ المدوِّنينَ فيها ، لكن – بعيدًا عن السياسيةِ – فقد نجحت المدوَّناتُ في تحقيقِ بعضِ الانتصاراتِ الصغيرةِ ، ولعبت على الأقلِّ في أدوارٍ أخرى دورَ المنبرِ الإعلاميِّ لقضايا حيويةٍ تجنَّبها الإعلامُ التقليديُّ ، وسعى لتجاهُلِها.

    إعادةُ تشكيلِ صورةِ المرأةِ

    “كان مهبلي أخضر، بحقول وردية ناعمة كالمياه، أبقار تخور، الشمس تستريح ،حبيب لطيف يمسني برقة بقطعة طرية من القش الأشقر.
    هناك شيء بين ساقيَ، لا أعرف ما هو، لا أعرف أين هو، أنا لا أُمَس، ليس الآن، ليس بعد، ليس منذ…
    كان مهبلي متكلماً، لا يتمهل، يتكلم ويتكلم كثيراً، كلمات معبرة، لا يتوقف عن المحاولة، لا يتوقف عن نطق عبارة: أنا هنا.”
    من مدوَّنة الحرملك67

    ردحذف
  21. تمرُّ القيمُ المجتمعيةُ في كلِّ مجتمعٍ بمجموعةٍ من التغيراتِ ؛ تبعًا لمجموعةٍ من الظروفِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ التي تطرأ على المجتمعِ ، ومن القيمِ التي تمرُّ باستمرارٍ بتغيراتٍ متباينةٍ وأحيانًا متضادة في المجتمعِ المصريِّ صورةُ المرأةِ ووضعُها في المجتمعِ . حيثُ تبدو المسافةُ بينَ صورةِ المرأةِ ووضعِها الاجتماعيِّ في مصرَ بدايةَ القرنِ العشرينَ ، وبينَ صورتِها ووضعِها الاجتماعيِّ في بدايةِ القرنِ الواحدِ و العشرينَ مليئةً بالعجائبِ والغرائبِ والمتغيراتِ المتناقضةِ .
    ولا يهمُّنا هنا التوقفُ أو محاولةُ تحليلِ أسبابِ هذهِ التغيراتِ السريعةِ والمتلاحقةِ ، لكننا نشيرُ إلى أنَّ معظمَ الدراساتِ الاجتماعيةِ والتقاريرِ الحقوقيةِ عن أوضاعِ المرأةِ في مصرَ والبلدانِ العربيةِ ، تؤكِّدُ على وجودِ تمييزٍ تشريعيٍّ ضدَّ المرأةِ في بعضِ البلدانِ العربيةِ 68، وعلى تزايـُدِ العنفِ الموجَّهِ ضدَّ النساءِ في السنواتِ 69 الأخيرةِ ، خصوصًا في ظلِّ الغيابِ التامِّ لتشريعاتٍ تحمي المرأةَ من العنفِ داخلَ الأسرةِ أو خارجَها ، بالإضافةِ لسيادةِ قيمٍ اجتماعيةٍ تقللُ من شأنِ العنفِ ضدَّ المرأةِ . ومن أشكالِ العنفِ السائدِ ضدَّ المرأةِ التحرُّشاتُ الجنسيةُ في الشوارعِ ، والتي تندرجُ من التحرُّشِ اللفظيِّ حتى التحرُّشِ باللمسِ أو المسكِ أو القفش !
    وقد سمحت المدوَّناتُ بما توفِّره من عناصر الأمانِ الاجتماعيِّ والسِّريةِ من خلالِ إمكانيةِ الكتابةِ تحتَ اسمٍ مُستعارٍ ، بظهورِ خطاباتٍ نسويةٍ متباينةٍ تكشفُ الكثيرَ عن أوضاعِ المرأةِ المصريةِ والعربيةِ ، بل أيضًا قدَّمت بعضُ تلكَ المدوَّناتِ خطابـًا يتجاوزُ الحدودَ المتعارفَ عليها لمساحةِ البَوحِ النَّسويِّ ، ففي حالةِ مُدوَّنةٍ كالحرملك70 والتي تتعرضُ بالتفصيلِ لطبيعةِ علاقةِ المرأةِ بجسدِها ، وتدافعُ بقوةٍ عن الحريةِ الكاملةِ للمرأةِ يمكنُنا أن نلاحظَ هذا الكمَّ الهائلَ من التعليقاتِ السلبيةِ التي تمثلُ صدمةَ بعضِ القرَّاءِ – خصوصًا الذكور – من مثل هذه الأفكار ، لكن في المقابلِ ومن خلالِ متابعةِ المدوَّنة وتعليقاتِها على مدارِ سنواتِ عُمرِها القصيرِ، يمكنُنا أن نلاحظَ كيفَ نجحَت هذهِ المدوَّنةُ في جذبِ انتباهِ الكثيرِ من الشبابِ ، الذي قد يتجاوزُ مرحلةَ صدمةِ القراءةِ الأولى ، ليبدأ في التعاطي معَ أفكارٍ جديدةٍ من

    ردحذف
  22. ما شاء الله تحية لك أخي في الله توفيق التلمساني على هذا المجهود الموضح والمفيد للكتاب .. فهو قد وضح عدة نقط معينة ومهمة وخاصة أنه قسمها لعصور كالعصور التاريخية .. لأن موجة الزحف للتدوين بدأت تطل برأسها وبكل قوة وتضرب الإعلام العربي في الصميم

    وقد قمت بنسخ الموضوع لأقرأه على تمهل .. جعله الله في ميزان حسناتك

    ردحذف

المجموعة البريدية للمدونات العربية . لأخذ فكرة عنها و عن أهدافها ، اضغط هنا
مجموعات Google
اشتراك في المجموعة البريدية للمدونات العربية
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

أكثر المواضيع رواجا منذ نشأة المدونة.

حدث خطأ في هذه الأداة

تصنيفات

أخبار التدوين. (69) أخلاقيات التدوين. (6) استطلاع رأي. (3) الإنترنت في الدول العربية (3) التدوين من خلال تقييمات لتجارب شخصية. (2) المدونات الجوارية. (1) المدونات و دورها في الدعاية الفكرية و السياسية. (2) اهتمام رجال السياسة و مؤسساتهم بميدان التدوين. (9) اهتمام وسائل الأعلام بالتدوين و المدونات . (5) تدويناتي الخاصة. (32) تعرف على الأردن (1) تعرف على الجزائر (3) تعرف على موريتانيا (3) تعرف على موريتانيا. (1) تنظيمات التدوين (1) حريات (5) حملات عامة. (11) حوار مع مدون (مختصرات عن كرسي الإعتراف ) (3) حوار مع مدون أردني (2) حوار مع مدون جزائري (7) حوار مع مدون فلسطيني. (1) حوار مع مدون مصري. (4) حوار مع مدون موريتاني (5) حوار مع مدون. (5) دراسات عن التدوين (3) دعاية و ترويج (5) دليل المدونات العربية. (4) عيد سعيد (1) متابعات. (9) معلومات عامة عن الدول العربية (3) مفهوم التدوين و أهميته (14) مقالات عن التدوين في الأردن. (12) مقالات عن التدوين في الجزائر (7) مقالات عن التدوين في الكويت. (1) مقالات عن التدوين في فلسطين (1) مقالات عن التدوين في مصر. (7) مقالات عن التدوين في موريتانيا. (6) ملف التدوين الجواري (5) ملفات التدوين. (4) من أحسن ما قرأت في المدونات المصرية. (3) من أحسن ما قرأت في مدونات موريتانيا (1) من أهم ما قرأت في مدونات الأردن (2) من أهم ما قرأت في مدونات الجزائر. (7) من أهم ما قرأت في مدونات المغرب. (3) مواقع أدلة و منصات متخصصة في التدوين. (1) نجوم التدوين ( حوارات ) (11) نصائح و مساعدات عملية يحتاجها المدون (5) نقاش (5) هذه المدونة (2) وحدة الأمة العربية و الإسلامية . (1)