السبت، 31 أكتوبر 2009

الجزائريون يقتحمون المدونات ويسألون: لماذا نحن أكثر احتشاما من العرب الآخرين؟

بقلم الكاتب الجزائري الخير شوار ./ دخل الجزائريون عالم المدونات متأخرين بعض الشيء عن بقية اشقائهم في العالم العربي. ورغم ان بعضهم خطا خطوات مهمة وجريئة، إلا انهم مازالوا يشعرون بأنهم اكثر احتشاماً ومحافظة من غيرهم، وان ما في مدوناتهم لا تتناسب جرأته ومدى اتساع الأفق الذي منحتهم اياه التكنولوجيا، بينما ضنت به عليهم صحفهم ودور نشرهم محدودة العدد والتوزيع على المستوى العربي. لكن هذا النقد الذاتي الذي يوجهه الجزائريون لأنفسهم اليوم، لا يجب ان يحجب حقيقة اكبر وهي ان المدونات تحولت بالنسبة لأساتذة جامعيين وادباء وصحافيين وناشرين، ما يشبه الملاذ الآمن الذي بزيارته، يطّلع القارئ، على ما لا يمكن أن تبوح به الصحف والكتب الورقية… عمار يزلي.. قاص جزائري من جيل السبعينيات وصحافي من أهم الكتّاب الساخرين في الجزائر، ترأس تحرير صحيفة «الصح آفة» بعد إعلان التعددية السياسية والإعلامية في الجزائر، وكان سقف الحرية فيها يصل إلى حد الجنون. وعند إعلان حالة الطوارئ مع الغاء المسار الانتخابي سنة 1992 أوقفت الصحيفة المشاغبة التي يعمل بها يزلي، فأسس صحيفة أخرى عنوانها «النح لا» (والنح في العامية الجزائرية هو نقيض الصح). فصودر العدد الأول من المطبعة ولم ير النور لحد الآن، وبعدها أكمل أطروحته للدكتوراه، وأصبح أستاذا جامعيا في علم الاجتماع، في جامعة وهران. غير أن هذا المشاغب لم «يتب» عن الكتابة الساخرة التي بقي يمارسها حينما يتيسر له الأمر متنقلا من منير إعلامي إلى آخر، ووجد أخيرا المنبر الذي ينشر فيه زاوية «سيرك عمار» التي اشتهر بها منذ أيام «الصح آفة». وفي مدونة عمار يزلي التي صارت أشبه بملاذه الأخير، يختلط السرد القصصي مع العبث والتاريخ والأساطير المقلوبة مرتبطة بالحدث الدولي والمحلي. وهي الطريقة التي صنعت تميز يزلي، ففي مدونته على الانترنيت نقرأ في حلقة بعنوان «الفضوحات الكمية» (وهو قلب لعنوان كتاب ابن عربي الفتوحات المكية) ما يلي: «لم أجد شيئا أفعله، سوى أن عدت فقرأت التاريخ بالمقلوب، بمراجعة «مؤخرة بن خلدون»، والدولة الفاطمية، وما تبعها من الدولة الحمادية والزيرية، ودخول بني هلال وبني سليم والأثبج والمعاقيل..(من غير العقلاء)..الذين دمروا القيروان… وانتشروا في الأرض الخضراء كما ينتشر الجراد الأصفر، حتى أن بن خلدون ليصف قدومهم أيام المستنصر الفاطمي.. بالجراد المنشر… ويؤكد مقولته الشهيرة في تخريب القيروان «إذا عربت، خربت»… ويتفاعل الكاتب عمار يزلي مع زيارة الملك الإسباني خوان كارلوس الأخيرة إلى وهران ساخرا في مدونته: «وجدت نفسي أستقبل الملك خوان كارلوس بوهران، وقد داهمنا الوقت لتحضير الزيارة: فالطرقات بائسة، والشوارع تعيسة، مما جعلنا نعيد بناء وهران من الأساس، ولكن ليس من الأساس… بل من الفوق.. أي ببناء «الضالة» قبل حفر الأسس! عمل سريع.. على غرار «الكوكوت» (طنجرة الضغط). لكن مع ذلك، بدت الشوارع التي كان من المفروض أن يمر بها الموكب، في حلة جديدة، مزينة بكل أنواع العطور والبرنيق والماكياج… إلى درجة أنك تحتار إن كانت هذه هي وهران قبل 24 ساعة! تذكرت زيارة شيراك للمدينة قبل نحو 5 سنوات، وشاهدت كيف بدا الشارع الرئيسي، شارع جامعة وهران، وكيف تحول بين عشية وضحاها إلى فضاء «مستورد».. جديد كلية! وها هو نفس الشارع يعاد تزيينه مرة ثانية في ظرف 5 سنوات… لا لشيء سوى لأن الشارع أعيد تزفيته وتلوينه على عجل، فلم يعمر أكثر من هذه المدة!». وليس عمار يزلي وحده من الكتّاب الذي أسس مدونه في الجزائر، وإن كان محتواها متميزا، فغيره كثيرون، لكن ما يلاحظ عموما على مدونات الكتّاب الجزائريين هو «الاحتشام» في الطرح. ربما يرجع ذلك إلى حداثة التجربة الجزائرية، أو إلى أسباب أخرى على رأي الكاتبة الصحافية نور الهدى غولي، صاحبة عدة مدونات التي تقول إن الكاتب الجزائري متحفظ ومنطو على نفسه حتى وهو في المدونة التي يفترض أن يكون فيها منطلقا إلى أبعد الحدود. فانطواء المثقف الجزائري على نفسه في الطبيعة انعكس على محتوى مدونته حيث يبدو كلاسيكيا وهزيلا مع استثناءات قليلة. وعن بداية حكايتها مع عالم المدونات تقول نور الهدى: «بدأت أدخل هذا العالم من خلال مدونة صديقتي التي داومت على نشر يومياتها فيها، وكل ما يحدث معها في البيت. وقد كنت مهتمة جدا بما تكتب، ولما أردت مناقشتها في الأمر وجدت نفسي مضطرة لتأسيس مدونة خاصة به، لكني في كل مرة لم أكن راضية عن شكل المدونة وأخذت انتقل بين المدونات باحثة عن الشكل الأفضل». وبعيدا عن نقاشاتها مع صديقتها التي أدخلتها عالم المدونات تقول نور الهدى أنها لا تنشر في مدونتها نصوصا أدبية كالتي تنشرها في مواقع إلكترونية متخصصة ومعروفة، وإنما تخصص المدونة لنشر المواضيع الصحافية التي أنجزتها وبقيت غير منشورة في الصحف لسبب أو آخر. وبعيدا عن مدونة نور الهدى ينشر الكثير من الكتّاب الجزائريين نصوصهم الأدبية في المدونات بعد أن يتعذر عليهم نشرها ورقيا في كتب أو حتى في دوريات أدبية تفتقر الساحة المحلية لها. فقد لجأ مثلا الكاتب عمر بوذيبة إلى نشر روايته كاملة وهي بعنوان «قبر يهودي» في مدونته، ولم يكتف بذلك بل نشر معها قراءتين للعمل نفسه، بتوقيعين للأستاذين الجامعيين والناقدين نبيل بوالسليو ويوسف وغليسي، كنوع من إضفاء الشرعية على عمله الروائي الأول هذا. وليست كل مدونات الكتّاب الجزائريين نصوصا أدبية وشعرية، فمثلا هناك استثناءات كما هو الحال في مدونة الكاتب والصحفي كمال قرور الذي سبق له أن أسس دارا للنشر وأكثر من صحيفة أسبوعية، لكن ظروفا قاهرة جعلته يبتعد قليلا ثم يعود ببعض المشاريع الثقافية النظرية التي تحتاج إلى نقاش موسع. فمدونة كمال قرور التي تحمل عنوان «أفكار ضد الرصاص» تحتوي بالإضافة إلى بعض النصوص الأدبية والمقالات الصحفية الكثير من الأفكار المطروحة للنقاش التي نشر بعضها في الصحف الجزائرية لكنه لم يحظ بالنقاش الذي كان يبتغيه، وأخيرا اكتشف عالم المدونة. فقد كتب كمال في مدونته موضوعا للنقاش بعنوان «حتى تستمر الجزائر ثقافيا: مجلس المبادرة لصناعة المعرفة» ما يشبه البيان التأسيسي قائلا: «تعرف المؤسسات الثقافة الوطنية البيروقراطية عجزا كبيرا في إنتاج المعرفة وتوزيعها، بسبب التسيير السيء للهياكل وللطاقات البشرية وتبذير المال العام، لذلك لا يمكن ان نعول عليها مستقبلا في صناعة المعرفة، والأحسن ان نضع لها حدا حتى لا تستمر في هدر الطاقات واستنساخ الفشل. في ظل هذه العوامل المفتعلة لا يمكن ان نستمر في العبث بمصير أمة تريد ان يكون لها حضور إيجابي في الالفية الجديدة» ثم يفصّل في طرحه للموضوع الذي يقول إنه بدأ يأخذ طريقه للنقاش وهو سعيد بذلك وقد وجد في المدونة ما لم يجده في الصحف المكتوبة. لكن كمال قرور السعيد بنجاح مدونته والذي ينوي فتح جسور للنقاش مع مختلف أصحاب المدونات، يرى أن مدونات الكتّاب الجزائريين ما زالت دون المستوى ويقول: «إخواننا العرب قطعوا أشواطا كبيرة في هذا المجال، أما نحن فقد دخلنا هذا العالم متأخرين وبخطوات محتشمة» لكنه متفائل بمستقبل المدونات الثقافية الجزائرية مثلما هو متفائل بمستقبل النقاش حول أفكاره المبثوثة في المدونة والتي يحرص على تطويرها باستمرار. بعد كثير من التردد والانطواء على الذات بدأ الكثير من الكتّاب الجزائريين يتحولون إلى مدونين أنترنيتيبن، ولئن كانت هناك بعض الاستثناءات التي تحتاج إلى تنويه، فإن الطرح الموجودة في المدونات الجزائرية عموما ليس في مستوى الفضاء الحر الكبير الذي يضمره هذا العالم الجديد، لكنها البداية والأهم مازال في الأفق.
المقال منشور بجريدة الشرق الاوسط.
ــــــــــــــــــــــ
طالع مقالات أخرى عن التدوين في الجزائر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرصد مدونات الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المجموعة البريدية للمدونات العربية . لأخذ فكرة عنها و عن أهدافها ، اضغط هنا
مجموعات Google
اشتراك في المجموعة البريدية للمدونات العربية
البريد الإلكتروني:
زيارة هذه المجموعة

أكثر المواضيع رواجا منذ نشأة المدونة.

حدث خطأ في هذه الأداة

تصنيفات

أخبار التدوين. (69) أخلاقيات التدوين. (6) استطلاع رأي. (3) الإنترنت في الدول العربية (3) التدوين من خلال تقييمات لتجارب شخصية. (2) المدونات الجوارية. (1) المدونات و دورها في الدعاية الفكرية و السياسية. (2) اهتمام رجال السياسة و مؤسساتهم بميدان التدوين. (9) اهتمام وسائل الأعلام بالتدوين و المدونات . (5) تدويناتي الخاصة. (32) تعرف على الأردن (1) تعرف على الجزائر (3) تعرف على موريتانيا (3) تعرف على موريتانيا. (1) تنظيمات التدوين (1) حريات (5) حملات عامة. (11) حوار مع مدون (مختصرات عن كرسي الإعتراف ) (3) حوار مع مدون أردني (2) حوار مع مدون جزائري (7) حوار مع مدون فلسطيني. (1) حوار مع مدون مصري. (4) حوار مع مدون موريتاني (5) حوار مع مدون. (5) دراسات عن التدوين (3) دعاية و ترويج (5) دليل المدونات العربية. (4) عيد سعيد (1) متابعات. (9) معلومات عامة عن الدول العربية (3) مفهوم التدوين و أهميته (14) مقالات عن التدوين في الأردن. (12) مقالات عن التدوين في الجزائر (7) مقالات عن التدوين في الكويت. (1) مقالات عن التدوين في فلسطين (1) مقالات عن التدوين في مصر. (7) مقالات عن التدوين في موريتانيا. (6) ملف التدوين الجواري (5) ملفات التدوين. (4) من أحسن ما قرأت في المدونات المصرية. (3) من أحسن ما قرأت في مدونات موريتانيا (1) من أهم ما قرأت في مدونات الأردن (2) من أهم ما قرأت في مدونات الجزائر. (7) من أهم ما قرأت في مدونات المغرب. (3) مواقع أدلة و منصات متخصصة في التدوين. (1) نجوم التدوين ( حوارات ) (11) نصائح و مساعدات عملية يحتاجها المدون (5) نقاش (5) هذه المدونة (2) وحدة الأمة العربية و الإسلامية . (1)